آخر تحديث :الثلاثاء-21 يوليو 2026-03:59م

سوق رخمة… ذاكرة الطفولة بين بسكويت "أبو ولد" والدجاجة الروسية

الإثنين - 06 يوليو 2026 - الساعة 10:01 ص
عبدالباري الباركي الكلدي


كتبه :عبدالباري الباركي الكلدي


سوق رخمة… ليس مجرد سوقٍ شعبي بسيط، بل ذاكرةٌ حيّة تمشي على الأرض، ومرآة زمنٍ لم يغادرنا رغم كل ما مضى. منذ سبعينات القرن الماضي، وهو يقف هناك، كشيخٍ حكيم، يراقب تحولات الأيام دون أن يفقد ملامحه الأولى. لم يتغير كثيرًا، سوى أن جزءًا منه خفت نبضه، ذلك الامتداد الذي كان يعجّ بالحياة قرب المدرسة، بينما بقيت أطرافه الأخرى تتنفس بهدوء، ببعض دكاكين صغيرة تقاوم النسيان.


هناك… عند حافة الطفولة، تبدأ الحكاية.


بسكويت "أبو ولد" بنكهة الزبدة، وشراب "كندا دراي"، لم يكونا مجرد سلعتين تُباعان في دكان، بل كانا فرحتنا الصغيرة، ومكافأتنا اليومية بعد ساعات الدراسة. كنا نحملهما بأيدٍ صغيرة، لكن بقلوبٍ ممتلئة بالبهجة، كأننا نملك الدنيا كلها. كانا طعم الثمانينات… طعم البساطة التي لا تُشترى.


ورغم ما قيل لاحقًا، ظلّ لبسكويت "أبو ولد" حكاية تتجاوز طعمه؛ فقد جاء من الشمال، متسللًا عبر الحدود، مدفوعًا برواجه الكبير، حتى أصبح جزءًا من تفاصيل حياتنا. ومع اقتراب الوحدة، انخفض سعره حتى صار في متناول الجميع، كأنه وعدٌ بسيط بحياةٍ أسهل.


لكن الوعود لا تدوم.


بعد الوحدة، تبدّل كل شيء؛ ارتفعت الأسعار، واهتزّت العملة، وتسللت الخيبات بين الناس، حتى بلغت ذروتها في حرب صيف 1994. حينها، لم يعد البسكويت مجرد بسكويت، بل تحوّل في نظر البعض إلى رمزٍ لزمنٍ مخادع. عبارة واحدة لخصت ذلك الشعور: "هذا الذي نكبنا"… جملة ثقيلة، لكنها تكشف كيف يمكن للذكريات الجميلة أن تتلوّن بألم الواقع.


غير أن حضور تلك المنتجات لم يكن صدفة، بل نتيجة لمرحلةٍ كاملة من التحولات الاقتصادية. فقد تبنّى الحزب الاشتراكي في الجنوب نهجًا اقتصاديًا ماركسيًا، أحدث تغييرات جذرية في البنية التجارية. كان التأميم عنوان تلك المرحلة؛ إذ شمل الشركات، والبنوك، والمصارف، وشركات التأمين، فانتقلت مفاصل الاقتصاد إلى يد الدولة.


هذه السياسات، رغم ما حملته من شعارات العدالة، دفعت كثيرًا من التجار ورجال الأعمال إلى مغادرة البلاد، وتراجع معها اقتصاد السوق الحر، خصوصًا في عدن التي كانت يومًا مركزًا تجاريًا مزدهرًا. ومع غياب القطاع الخاص، أصبح الاعتماد شبه كلي على الحلفاء في توفير السلع الاستهلاكية، فتدفقت المنتجات المستوردة، وأصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، بل ومن ذاكرة جيلٍ كامل.


ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الوجه الآخر لتلك المرحلة؛ حيث ركزت الدولة على تقديم خدمات واسعة، من تعليمٍ مجاني، وسكنٍ مدعوم، ووظائف للخريجين، في محاولة لبناء مجتمع أكثر مساواة.


وفي خضم تلك التحولات، برزت العلاقة مع الاتحاد السوفيتي كأحد أهم ملامح تلك الحقبة. كانت علاقة تحالف قوية، انعكست عسكريًا واقتصاديًا، ووصل أثرها حتى إلى الأسواق الصغيرة… إلى سوق رخمة ذاته.


أتذكر أيامنا في المرحلة الابتدائية… حين كنا، في فسحة المدرسة، نهرع إلى السوق كأننا نلحق بحلمٍ صغير. هناك، كانت تنتظرنا "الدجاجة الروسية المعلبة"… دجاجة كاملة مطبوخة، محفوظة بمرقها، قادمة من بلادٍ بعيدة. كنا نتشارك ثمنها، ونجلس معًا نأكلها مع خبزٍ جلبناه من بيوتنا.


يا لها من وجبة… كانت تكفي ثلاثة، وربما أكثر، لكنها كانت تكفينا نحن جميعًا بالفرح. كنا نلتهمها بشغف، نشرب مرقها، ولا نترك حتى عظامها، كأننا نخشى أن تضيع لذة تلك اللحظة.


وفي البيوت، كانت تتحول إلى وليمة… أرزٌ ساخن، ودجاجة واحدة تجمع الأسرة حولها، بطعمٍ لا يُنسى.


لكن تلك النكهات، مثل غيرها من تفاصيل ذلك الزمن، لم تدم طويلًا؛ فقد اختفت مع تدهور الاتحاد السوفيتي، وغابت معها منتجات كانت يومًا جزءًا من حياتنا.


ومن بين تلك الذكريات أيضًا، تونة "البطحا"… تلك العلبة الصغيرة التي كنا نتقاسمها بفرح. لا نعرف من أين جاءت، لكننا نعرف جيدًا كيف كانت تُسعدنا. نفتحها بمسمارها الجانبي، ونأكلها كأنها كنزٌ صغير.


ثم جاءت مرحلة جديدة بعد الوحدة… اقتصاد مفتوح، وأسواق تتسع، ورؤوس أموال تتدفق. كان لتجار الشمال حضور قوي، بخبرتهم وأموالهم، بينما دخل الجنوب هذه المرحلة كأرضٍ لم تُبنَ فيها بعد قاعدة استثمارية متينة. فنما العمران، وفتحت المشاريع، وازدحمت الأسواق… لكن أغلب ذلك كان برأس مالٍ وافد.


وهكذا، ظل الجنوب يتأرجح بين مرحلتين: اقتصادٍ موجّهٍ اعتمد على الحلفاء، واقتصادٍ مفتوحٍ اعتمد على رؤوس الأموال القادمة من الخارج. وبين هذا وذاك، بقيت الأسواق — كسوق رخمة — شاهدة على تلك التحولات، تختزن في زواياها حكاية جيلٍ كامل.


جيلٍ عاش البساطة… وذاق التحوّل… ولم ينسَ طعم الذكريات