من شرعية تستمد قوتها من الشعب... إلى شرعية تقيس نفوذها بعدد نجوم الفندق.
في السياسة، قد تخسر معركة وتربح أخرى، وقد تغادر العاصمة مؤقتاً لتعود إليها لاحقاً. لكن أن تتحول الغربة إلى أسلوب حكم، والمنفى إلى مقر دائم للدولة، فتلك حالة تستحق أن تُدرّس تحت عنوان: "كيف تدير بلداً لا تراه إلا من نافذة جناح فندقي".
المفارقة أن كلمة "الشرعية" في أصلها ترتبط بالناس، بالأرض، بالمؤسسات، وبالقدرة على إدارة الشأن العام. أما حين تصبح الشرعية مرتبطة ببطاقة دخول فندق، وجدول رحلات الطيران، ومواعيد المؤتمرات الصحفية، فإننا لا نكون أمام دولة مؤقتة، بل أمام إقامة مفتوحة لا يعرف أحد موعد انتهائها.
في التجربة اليمنية، لم تعد الأزمة في انتقال المسؤولين إلى الخارج خلال ظروف الحرب؛ فهذا حدث في دول كثيرة. الأزمة أن الخارج تحول من استثناء إلى قاعدة، ومن محطة عابرة إلى عنوان دائم للسلطة. وهكذا نشأت ظاهرة سياسية فريدة: حكومة تمارس معظم اجتماعاتها خارج البلاد، بينما يواصل المواطن اجتماعاته اليومية مع انقطاع الكهرباء، وارتفاع الأسعار، وتدهور الخدمات.
المشهد يزداد طرافة حين تُصدر البيانات الرسمية بلغة توحي بأن مؤسسات الدولة تعمل بكامل طاقتها، بينما المواطن يبحث عن مؤسسة واحدة تعمل فعلاً. البيانات تتحدث عن "متابعة الأوضاع"، وكأن الأوضاع نفسها أصبحت موظفاً يرفع تقارير دورية إلى المسؤولين، لا واقعاً يحتاج إلى حضور وإدارة وقرار.
والسياسة، بطبيعتها، لا تعترف بالفراغ. كل مساحة تتركها السلطة يملؤها لاعب آخر، وكل مؤسسة تتراجع يبرز بديل يحاول فرض نفسه، سواء كان دولة، أو جماعة مسلحة، أو سلطة محلية، أو قوة إقليمية. لذلك لم يكن تمدد مراكز النفوذ المختلفة في اليمن معجزة سياسية، بل نتيجة طبيعية لغياب المركز القادر على إدارة الدولة من داخلها.
ولعل أكثر ما يثير المفارقة أن الخطاب الرسمي ظل يتحدث طويلاً عن "استعادة الدولة"، بينما السؤال البسيط ظل معلقاً في الهواء: كيف تُستعاد دولة من خارج حدودها؟ وهل يمكن أن يقتنع المواطن بأن الدولة موجودة، إذا كان المسؤول نفسه يحتاج إلى تأشيرة أو تصريح ليصل إليها؟
حتى مفهوم "العودة القريبة" أصبح جزءاً من الأدب السياسي، يشبه تلك اللافتات التي تعلن افتتاح مشروع "قريباً" ثم تبقى معلقة سنوات حتى يبهت لونها. المواطن يسمع الوعد ذاته، بينما تتغير الحكومات والوزراء والبيانات، ويبقى "قريباً" هو الثابت الوحيد.
السياسة لا تقاس بعدد المؤتمرات ولا بجمال البيانات، بل بقدرتها على التأثير في حياة الناس. والشرعية ليست لقباً يُحفظ في الأدراج أو يُجدد في الاجتماعات، وإنما علاقة يومية بين السلطة والمجتمع. فإذا انقطعت هذه العلاقة، لم يعد الخلاف حول الاسم، بل حول المضمون نفسه.
وفي النهاية، لا يمكن لأي فندق، مهما ارتفع تصنيفه، أن يمنح سلطةً شرعيةً دائمة، ولا لأي جناح فاخر أن يحل محل مؤسسة وطنية. فالأوطان لا تُدار بخدمة الغرف، ولا تُبنى عبر بوابات الاستقبال، ولا تُقاس سيادتها بعدد الليالي المحجوزة.
ويبقى السؤال الساخر الذي يفرض نفسه: إذا كانت الدول تُقاس بمساحة حضورها على الأرض، فكم نجمة يحتاجها الفندق حتى يصبح وطناً؟
بقلم / محمد علي رشيد النعماني