آخر تحديث :الثلاثاء-28 يوليو 2026-12:20ص

التحريض لا يصنع وطناً

السبت - 04 يوليو 2026 - الساعة 10:28 م
أحمد الذبحاني


ليست قيمة الأوطان فيما تمتلكه من قوة وسلاح ، وإنما فيما تصونه من كرامة الإنسان ، وما ترسخه من ثقافة الحوار واحترام الاختلاف


فحين تستبدل لغة العقل بمنطق التخوين ، ويستعاض عن الحجة بالشتيمة ، فإن الخاسر الحقيقي ليس الشخص المستهدف ، بل هيبة الخطاب العام ، ورسالة المنبر ، وصورة الدولة التي يفترض أن تتسع لجميع أبنائها


توكل كرمان لم تكن مجرد شخصية سياسية أو إعلامية يمكن الاتفاق معها أو الاختلاف حولها ، بل هي شخصية يمنية نالت جائزة نوبل للسلام ، فأصبحت جزءاً من الحضور اليمني في المحافل الدولية ، ومصدر إلهام دولي وإقليمي


ومن حق أي إنسان أن يناقش أفكارها وينتقد مواقفها ، لكن ليس من حق أحداً أن يحول المنابر إلى منصات للإساءة أو التحريض ، لأن الكلمة التي تزرع فيها الكراهية لا يمكن أن تثمر سلاماً ، والخطاب الذي يقوم على الإساءة لا يصنع وعياً ، بقدر ما يعمق الانقسام ويشرعن الإقصاء


وطنا اليوم أحوج ما يكون إلى رجال يصنعون جسور التلاقي ، لا متاريس الخصومة ؛ وإلى خطاب يداوي الجراح ، لا خطاب يعيد افتتاحه


فالأوطان المنهكة بالحروب لا تنهض بخطابات التعبئة ضد الأشخاص ، وإنما تنهض بإحياء قيم التسامح وتقبل الآخرين ، وسيادة القانون ، واحترام الكرامة الإنسانية ، والتعددية السياسية ، وصون حق الاختلاف بوصفه أحد أعمدة الدولة المدنية


لقد ارتبط اسم توكل كرمان ، بالدفاع الوطن ومقارعة كل أوجه الاستبداد وعن قيم الحرية والسلام وحقوق الإنسان وحماية الأوطان بعدم التفريط بسيادته ودعمها السخي للمشاريع التنموية والإنسانية والتمكين الاقتصادي ، بينما يختلف معها آخرون في كثير من مواقفها السياسية ، وهذا الاختلاف مشروع في أي مجتمع ، غير أن المشروع حقاً هو أن يبقى الخلاف في دائرة الفكر والرأي ، لا أن ينزلق إلى خطاب التحريض أو الإساءة الشخصية ، لأن الأمم التي تحترم نفسها تجعل من النقد وسيلة للإصلاح ، لا أداةً للتشهير


المنابر أياً كانت طبيعتها ، أمانة أخلاقية قبل أن تكون وسيلة للتأثير ، ورسالتها أن تعلي من شأن الحكمة ، وأن تغرس في النفوس فضيلة الحوار ، وأن تكرس ثقافة احترام الإنسان ، واردشادهم وتوعيتهم ، لا أن تتحول إلى أدوات لإنتاج الكراهية


فالكلمة قد تحيي وطناً ، وقد تشعل فتنة ، والعاقل هو من يدرك أن مسؤوليته أمام الله والوطن والتاريخ تبدأ من الكلمة التي ينطق بها


ويبقى اليمن أكبر من خلافات أفراده ، وأسمى من أن يختزل في معارك الأشخاص ، وسيظل السلام ، والحرية ، والعدالة ، واحترام كرامة الإنسان ، هي الطريق الأقصر لبناء دولة تستحقها الأجيال ، دولة تتسع لجميع أبنائها ، وتنتصر للكلمة وحقها ، وللحوار المسؤول ، وللوطن الذي لا ينهض إلا بأبنائه جميعاً.