قبل أن تعرف يافع المحراث الآلي والجرار، كان هناك محراث واحد لا يخون الخَنزَرَة. هي يد المزارع اليافعي التي شقّت الصخر، وحوّلت وعورة الجبال إلى مدرجات خضراء تشبه لوحة مرسومة من قاع الوادي حتى رأس القمة، استُغل فيها كل شبر لصالح الزراعة. فالخَنزَرَة هي محراث الأرض الأول، ومنذ القدم تُعد من ضروريات البيت اليافعي التي لا يُستغنى عنها، ولا يخلو منها بيت إلا من ينطبق عليهم قول الشاعر: (.... الوراور والشتر... ذي ما تحصل ببيته خَنزَرَة) ، إشارة إلى أن البيت الذي يخلو من الخَنزَرَة يخلو من العيش والعمل والاكتفاء، لأنها تعني الكرامة قبل أن تعني الزراعة.
الخَنزَرَة أداة حديدية معقوف معطوفة تُصنع في المحداد على يد الحداد، ووظيفتها مزدوجة. في البداية تأتي البَتالة، أي حرث الأطوار والمدرجات الضيقة كالحَقَيْف والمآفض التي لا يصلها السَّحْب بالثيران . وبها شُقّ الصخر، وتحوّل الجبل حجرا حجرا إلى حَقَيْف وأطوار ومآفض صالحة للزراعة، وبعد إنبات الزرع تعود الخَنزَرَة مرة أخرى بيد المزارع لتنظيف ما بين الرَزْوَة، تعشيباً وقطعا للشجيرات الطفيلية التي تسرق الماء والغذاء من المحصول، ويسميها الأهالي (قياض) . وفيها تغنّى الشاعر: (إلا هَجَّرَة وبتول الخَنزَرَة... إلا هَجَّرَة ليتها ترجع برود... إلا هَجَّرَة قالت القيضية... إلا وينهم أهل الأيدين الطوال) . الخَنزَرَة إذن ليست حديدة جامدة، بل هوية وقصة نجاح حوّلت وعورة الجبل إلى حَقَيْف وأطوار ومآفض، وسلة غذاء بعرق اليد وبحكمة النجوم.
وإذا كانت الخَنزَرَة هي الرأس الحاد، فالحُكْل هو يدها وسندها، ويُسقل الحُكْل من قطعة خشب ملساء متينة تُقطع من أشجار التالب أو الشوحط، تُختار بلا عُقد حتى لا تجرح كف المزارع وهو يعمل بها ساعات طويلة تحت شمس القيض. فالخشب هنا ليس مجرد قبضة، بل امتداد ليد الإنسان الذي صارع الجبل.
والزراعة في يافع لم تكن يوما مجرد بذر حبوب في التراب، بل كانت علم مواقيت يحفظه الأجداد عن ظهر قلب، تقويما سماويا أدق من أي روزنامة. وعلى رأس هذا العلم جاءت حكمة الحُميد بن منصور بأقواله الذهبية التي ما زالت تُردّد حتى اليوم. كان يردّد وهو يبذر: (يا ذاري الحب رِقّه على الخِطِيْ والبناني) .
والخِطِيْ تعني اجعل بين كل حفرة خطوة، والبناني تعني فرّق الحب بقَبْض أطراف الأصابع، أي التقاطه بطرف إصبعين ونثره متباعدا في الحفرة. لأن البذرة إذا تزاحمت في الحفرة الرَزْوَة اختنقت، وإذا تباعدت امتدت عروقها وأعطت سنابل مليانة.... ولهذا تُنثر الحبوب يدويا في كل حفرة، ثم يُغطى التراب ويُدحق المِعْمد برجل المزارع البَتُول
على الحفرة لتثبيت البذرة وحفظ الرطوبة.
وكان مع أول قطرة تبلّ تربة الأطوار والمدرجات الزراعية، يبدأ في جبال يافع سباق مع الزمن لا يحتمل التأجيل. فالموسم الزراعي لا ينتظر، والنجوم هي مواقيت.. . ولهذا يردد المزارعون قولهم المأثور: (الصيف صيدي، والفتى من صاده) . فحتى زمن قريب، ما إن تبلّ المدرجات والوديان حتى تستيقظ يافع على مشهدها القديم المتجدد بخروج الخَنزَرَة والحُكْل من المخازن استعداداً لمعركة البَتالة وحفر الذِّرِيء...ويرددون: (إلا خفّ وذاري، إلا بعد حفّاري) ، لأن الذِّرِيء يسبقه قراش ودفن سماد الحيوانات "الدمان" وحرث الأرض وتجهيزها.
وبدخول موسم "المِيه والسّماك" يبدأ وقت بذر الذرة في معظم مناطق يافع، ويبدأ مع مطلع مايو، بعد تفتّح زهرة المية التي يسميها الأهالي (حُمحمة الصيف).. . مع أول مطرة تنفتح الأبواب القديمة، وتتحول مداخل الحدادين وساحات القرى إلى خلية نحل، والمزارعون يزاحمون على المحداد لحدّ الخنازر وتجهيزها. وعند تأخر موسم المطر، يختصر الحُميد بن منصور الوجع بمثل جرى على كل لسان: (لا تبكي الأب لا مات... إبْكِ المِيه والسَماك لا فات) . فالماء في وقته هو رأس مال المزارع اليافعي الحقيقي ، إذا فات المطر في نجمه فات القوت وفاتت سنة كاملة.
والمدرجات الزراعية في يافع ليست كتل تراب متشابهة، بل نظام هندسي دقيق تدرجت فيه المساحات والوظائف، وحملت كل قطعة منه اسما متوارثا من الأجداد يعكس حجمها واستخدامها. ويُعد المأفض، جمع مآفض، أصغر وحدة زراعية في هذا النظام، قد يصل إلى ذراع ولا يتجاوز مساحته مترا مربعا واحدا، وقد يضيق في بعض الأماكن حتى يصل إلى موطئ قدم شبر فقط، تُنبت فيه رَزْوَة واحدة وتسمى مِعْمد عماد الحقل وقاعدة الإنتاج . ومن هنا يبدأ المزارع اليافعي معركته مع الجبل، بحفرة لا تكاد تُرى لكنها أساس القوت. وثاني تسمية تصاعدياً هي الحَقْفَة، جمع الحَقَيْف، تقارب مساحتها مساحة غرفة تزيد أو تنقص، وتتسع لعدد من أشجار البن أو القات. وعندما تتسع الأرض في بطون الأودية وأحضان الشعاب، تظهر الصِلْبة، جمع صِلَب وتنطق في بعض مناطق يافع بضم الصاد صُلَب، وهي مدرجات واسعة تقارب مساحة المسجد أو تزيد، وتتميز بجدرانها الساندة العالية التي تحفظ التربة الغنية وتحميها من الانجراف مع السيول. وفي قمة هذا النظام يأتي الطَوْر، جمع الأطوار، وهي مدرجات طويلة تمتد مع امتداد الجبل لمسافات شاسعة، وبعرض لا يقل عن متر في الغالب، تجود بزراعة الحبوب كالذرة والدخن لتأمين قوت العام، فهي خط الدفاع الأول ضد الجوع. ورغم اختلاف مساحاتها، إلا أن المأفض والحَقْفَة والصِلَبة والطَوْر تلتقي تحت مسمى واحد هو المدرجات الزراعية، الشاهد الأكبر على أن اليافعي لم ينتظر السهل بل صنع أرضه بيده. وإلى جانبها تبرز تسميات الطين الزراعية في الوديان كـ الجَرْبَة والنقد والدهلة، وكل اسم يحمل أسم ووثيقة وقصة موقع وتربة ونوع زراعة ورثها الابن عن الأب.
هكذا تحوّلت جبال يافع من صخر قاسٍ إلى سجل أسماء، كل حجر فيها له اسمه، وكل شبر فيه وثيقة، وكل مدرج له ذاكرة لا تُمحى.
واليوم تواجه المدرجات الزراعية في يافع تحديا جديدا هو موجات الهجرة والاغتراب، تسببت بهجر مساحات واسعة من الأرض الزراعية، وتلك المساحات المتروكة يسميها الأهالي "جَداس" أي أرض مهملة عادت للصخر بعد أن كانت سلال غذاء... والجَداس ليس ترابا متروكا فقط، بل حَقْفَة كان يبنيها الأب لولده، وصِلَبة كان يسقيها بعرقه، وطور كان يمشيه ساعة ليزرعه، واليوم صمت.
هكذا تبقى الخَنزَرَة والحُكْل شاهدين على أن يافع لم تُهزم بالجبل، ولن تُهزم بالجفاف. فالذي شقّ الصخر بالحديد قادر أن يشق طريقه بالصبر إذا عادت اليد إلى الأرض، وعادت النجوم تقويما، وعادت الخَنزَرَة من المخزن إلى المدرج الزراعي .