آخر تحديث :الجمعة-14 أغسطس 2026-01:22ص

الوعي الاجتماعي والسياسي في اليمن تحديات الصراع القائم وآفاق المستقبل

الجمعة - 03 يوليو 2026 - الساعة 02:33 م
علوي سلمان



يمثل اليمن حالة فريدة ومعقدة لدراسة الوعي الاجتماعي والسياسي. ففي بلد يرزح تحت وطأة صراع طويل الأمد، وتتداخل فيه عوامل تاريخية وثقافية واقتصادية وسياسية عميقة، يصبح فهم مستوى الوعي لدى أفراده أمراً بالغ الأهمية لتشخيص الواقع واستشراف المستقبل. إن الوعي هنا لا يقتصر على مجرد المعرفة بالحقائق، بل يتعداه إلى القدرة على التحليل النقدي، وتحديد المصالح، والمشاركة الفاعلة في صياغة المصير. هذا البحث يتعمق في أبعاد الوعي الاجتماعي والسياسي في اليمن، مستنيراً بآراء نخبة من الباحثين والمفكرين والأكاديميين، ضمن الأطر المحددة، محاولاً كشف الطبقات المتعددة التي تشكل هذا الوعي وتؤثر فيه.


التعليم: حجر الزاوية المتهالك ومصنع الوعي المعطّل


يُعد التعليم الركيزة الأساسية لبناء الوعي النقدي والاجتماعي والسياسي في أي أمة، فهو ليس مجرد وسيلة لنقل المعرفة، بل هو أداة لتشكيل العقول، وتنمية القدرة على التفكير المستقل، وغرس قيم المواطنة. في اليمن، تعرض القطاع التعليمي لضربات موجعة جراء الحرب المستمرة، من تدمير ممنهج للمدارس والبنى التحتية التعليمية، ونقص حاد في المعلمين المؤهلين، وتوقف للرواتب، وتدهور للمناهج الدراسية التي أصبحت في بعض المناطق أداة للتعبئة الأيديولوجية بدلاً من التنوير. هذا الواقع المأساوي أثر بشكل مباشر على قدرة الأجيال الجديدة، بمن فيهم الشباب والفتيات، على اكتساب المعرفة والمهارات اللازمة لتكوين وعي مستنير.


يؤكد التربوي البرازيلي باولو فريري في كتابه "بيداغوجيا المقهورين" أن "التعليم ليس مجرد تلقين للمعلومات، بل هو عملية تحريرية تهدف إلى تمكين الأفراد من التفكير النقدي وفهم واقعهم لتغييره". في اليمن، أدى تدهور التعليم إلى انتشار الأمية الفكرية، وضعف القدرة على التمييز بين المعلومات المضللة والحقائق، مما يجعل المجتمع أكثر عرضة للاستقطاب والتحريض الطائفي والمناطقي. كما أن غياب التربية المدنية الفاعلة يحد من فهم الشباب لحقوقهم وواجباتهم كمواطنين. يرى أكاديميون يمنيون، مثل الدكتور عبد الوهاب الروحاني، أن استعادة دور التعليم كقاطرة للوعي تتطلب إصلاحاً شاملاً للمناهج لتكون محايدة وشاملة، وتأهيلاً مستمراً للمعلمين، وتوفيراً لبيئة تعليمية آمنة ومحفزة، بعيداً عن التسييس والتحزب، مع التركيز على المهارات الحياتية والتفكير النقدي.


الثقافة السائدة والموروث الاجتماعي: بين الأصالة والتحدي في تشكيل الهوية


تتغلغل الثقافة السائدة والموروث الاجتماعي والثقافي، بما فيه من عادات وتقاليد، في نسيج الوعي اليمني بعمق، مشكلةً إطاراً مرجعياً للأفراد في فهمهم للعالم ومكانتهم فيه. فاليمن مجتمع قبلي بامتياز، حيث تلعب القبيلة دوراً محورياً في تحديد الهوية والولاءات، وغالباً ما تطغى على الولاء للدولة المركزية. هذا الموروث، وإن كان يحمل قيماً إيجابية كالتكافل الاجتماعي، وحماية الجار، والشجاعة، إلا أنه قد يعيق تشكيل وعي سياسي موحد وعابر للانتماءات الضيقة، ويغذي الانقسامات في أوقات الأزمات.


يرى عالم الاجتماع العربي ابن خلدون أن "العصبية القبلية هي أساس الملك"، وهو ما يتجلى في اليمن حيث لا تزال هذه العصبية محركاً أساسياً للعديد من الصراعات والتحالفات السياسية والعسكرية، مما يؤثر على مفهوم المواطنة والعدالة. الوعي الاجتماعي هنا يتأرجح بين التمسك بالهوية المحلية الضيقة، التي توفر الحماية والأمان في ظل غياب الدولة، وبين تطلعات نحو هوية وطنية جامعة. كما أن بعض العادات والتقاليد، خاصة تلك المتعلقة بالمرأة ومكانتها في المجتمع، تحد من مشاركتها الفاعلة في الحياة العامة، وتؤثر على مستوى وعيها السياسي والاجتماعي، وتجعلها عرضة للتمييز. يضاف إلى ذلك دور المؤسسات الدينية التقليدية التي قد تعزز من هذا الموروث أو تسعى لتجديده، مما يؤثر على الوعي الديني والاجتماعي للأفراد.


الصراع الدائر: وعي البقاء وتحدي التماسك الوطني


الحرب الدائرة في اليمن منذ سنوات طويلة تركت ندوباً عميقة في الوعي الجمعي، محولةً أولوياته من التفكير في التنمية والبناء إلى مجرد البقاء على قيد الحياة. لقد تحول الوعي في كثير من الأحيان إلى وعي بالبقاء، وتأمين لقمة العيش، وتجنب المخاطر اليومية. هذا الوعي الضروري للبقاء، قد يطغى على الوعي السياسي الأوسع الذي يتطلب التفكير في المستقبل البعيد وبناء الدولة، ويجعل الأفراد أكثر عرضة للحلول السريعة أو الانضمام لأي طرف يوفر لهم الحماية أو الموارد.


يقول عالم السلام النرويجي يوهان غالتونغ إن "العنف الهيكلي يولد وعياً مشوهاً، حيث يصبح البقاء هو الهدف الأسمى، وتتراجع المطالب بالعدالة والكرامة". في اليمن، أدت الحرب إلى تفتيت النسيج الاجتماعي، وتعميق الانقسامات، وتغذية خطاب الكراهية، مما أثر سلباً على الوعي الوطني المشترك. ومع ذلك، بدأ يظهر وعي متزايد لدى بعض الشرائح، بمن فيهم النساء اللواتي تحملن عبء الحرب الأكبر، بخطورة استمرار الصراع، وبأن الحلول العسكرية لن تجلب سوى المزيد من الدمار. هذا الوعي، وإن كان بطيئاً، يمكن أن يكون بذرة لحراك شعبي نحو السلام والمصالحة، مدفوعاً بتجارب المعاناة المشتركة والرغبة في استعادة الحياة الطبيعية.


المرأة ودورها: صانعة الوعي ومهندسة الأمل في زمن الأزمات


لم تكن المرأة اليمنية يوماً مجرد تابع أو هامش في مسيرة وطنها، بل كانت ولا تزال ركيزة أساسية في بناء المجتمع، وحافظة للنسيج الاجتماعي، ومحركاً خفياً، وأحياناً ظاهراً، للتغيير. تاريخياً، لعبت المرأة دوراً محورياً في نقل القيم والمعارف عبر الأجيال، ففي البيت، كانت الأم هي المعلم الأول، تغرس في الأبناء مبادئ الدين والأخلاق، وتساهم في تشكيل وعيهم الاجتماعي والثقافي. تؤكد الدكتورة أمل الباشا، الباحثة في قضايا المرأة اليمنية، أن "المرأة اليمنية في زمن الحرب لم تكن ضحية فحسب، بل تحولت إلى محرك رئيسي للصمود الاجتماعي، ومركزاً للوعي بضرورة التضامن والتعاون بين الأسر والمجتمعات المحلية". لقد قادت النساء مبادرات مجتمعية عديدة لسد الفراغ الذي خلفته الدولة، من تنظيم حملات إغاثة، إلى توفير التعليم البديل للأطفال، إلى إدارة مشاريع صغيرة لتأمين الغذاء.


على الصعيد السياسي، ورغم التحديات البنيوية والاجتماعية التي تحد من مشاركتها الرسمية، إلا أن المرأة اليمنية أظهرت وعياً سياسياً متزايداً، خاصة في السنوات الأخيرة. فمنذ ثورة 2011، كانت المرأة حاضرة بقوة في الساحات، تطالب بالحرية والعدالة والتغيير، رافعة صوتها ضد الفساد والاستبداد. يقول الدكتور عبد الغني الإرياني، المحلل السياسي، "إن مشاركة المرأة اليمنية في الحراك السياسي، حتى وإن كانت غير ممثلة بالقدر الكافي في هياكل السلطة، تعكس وعياً سياسياً متنامياً بحقوقها وواجباتها، وبضرورة أن تكون جزءاً من صناعة القرار". هذا الوعي لم يقتصر على المطالبة بالحقوق السياسية فحسب، بل امتد ليشمل المطالبة بالسلام ووقف الحرب، حيث أصبحت المرأة اليمنية من أبرز الأصوات المنادية بالسلام، والمشاركة في جهود الوساطة المحلية، وتنظيم الوقفات الاحتجاجية المطالبة بإنهاء الصراع، مما يعكس وعياً عميقاً بأهمية دورها في بناء مستقبل اليمن.


تركيبة المجتمع اليمني: فسيفساء الولاءات وتحدي الهوية الجامعة


تتسم تركيبة المجتمع اليمني بتنوعها وتعقيدها، فهي فسيفساء من القبائل والمناطق والمذاهب (الزيدية والشافعية بشكل رئيسي)، بالإضافة إلى التمايزات بين الحضر والريف، مما يؤثر بشكل مباشر على طبيعة الوعي الاجتماعي والسياسي. هذا التنوع، وإن كان يمثل ثراءً ثقافياً، إلا أنه في ظل غياب دولة قوية ومؤسسات جامعة، يتحول إلى مصدر للانقسام والاستقطاب، حيث يتم استغلال هذه الولاءات الفرعية من قبل الأطراف المتصارعة.


يرى الدكتور عبد الله الفقية، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن "تعدد الولاءات الفرعية في اليمن يضعف من الوعي بالهوية الوطنية الجامعة، ويجعل من الصعب بناء إجماع حول القضايا الكبرى". الوعي هنا يتطلب تجاوز هذه الانتماءات الضيقة لصالح مشروع وطني يمني موحد، يدرك فيه الجميع أن مصيرهم واحد، وأن قوتهم تكمن في وحدتهم. هذا التحدي يبرز الحاجة إلى خطاب وطني يعزز المشتركات ويحتفي بالتنوع دون أن يسمح له بالتحول إلى عامل تفكيك.


نظام الحكم وتوزيع الثروة والموارد: أزمة شرعية وفساد مستشرٍ


لطالما عانى اليمن من ضعف في مؤسسات الدولة وأزمة في شرعية أنظمة الحكم المتعاقبة، وتفاقم هذا الوضع مع الصراع الحالي الذي أدى إلى تعدد مراكز القوى وتفتت السلطة. هذا التشرذم ينعكس مباشرة على الوعي السياسي للمواطن، الذي يجد نفسه حائراً بين ولاءات متعددة، وغالباً ما يفقد الثقة في أي سلطة مركزية. يرى عالم السياسة الأمريكي فرانسيس فوكوياما أن "بناء الدولة القوية والفعالة هو شرط أساسي للتنمية والاستقرار". في اليمن، أدى ضعف الدولة وتفشي الفساد في توزيع الثروة والموارد (كالنفط والغاز والموانئ والثروة السمكية) إلى شعور عميق بالظلم والحرمان، مما يغذي السخط الشعبي ويضعف الوعي بأهمية الحفاظ على الموارد الوطنية واستغلالها لصالح الجميع.


الوعي السياسي هنا يدفع المواطن للمطالبة بحقوقه الأساسية، من أمن وخدمات، ومحاسبة المسؤولين عن التقصير أو الفساد، حتى لو كان ذلك في ظل ظروف صعبة. إن إدراك المواطن بأن الثروات الوطنية تُهدر أو تُستغل لصالح فئة قليلة، يولد وعياً نقدياً تجاه السلطة، ويدفعه للبحث عن بدائل أو الانخراط في حركات احتجاجية.


الديمقراطية والتكنوقراطية: تطلعات معلقة وحاجة ملحة للموازنة


شهد اليمن محاولات لترسيخ الديمقراطية، خاصة بعد عام 2011، لكنها غالباً ما اصطدمت بواقع معقد من الولاءات التقليدية والصراعات، وضعف المؤسسات، وغياب ثقافة الحوار والتوافق. في ظل الأزمة الراهنة، يبرز النقاش حول الحاجة إلى حكومة تكنوقراطية قادرة على إدارة الأزمات وتقديم الخدمات الأساسية، مقابل التمسك بالمبادئ الديمقراطية التي قد تبدو ترفاً في زمن الحرب.


يشير عالم السياسة الأمريكي روبرت دال إلى أن "الديمقراطية تتطلب شروطاً مسبقة معينة، بما في ذلك مستوى معين من التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وثقافة سياسية داعمة". في اليمن، يواجه المجتمع تحدياً في الموازنة بين تطلعاته الديمقراطية وحاجته الماسة إلى إدارة كفؤة قادرة على انتشاله من الأزمات. الوعي السياسي هنا يتجلى في قدرة المجتمع على فهم هذه الموازنة، والمطالبة بحكومة تجمع بين الكفاءة والشفافية، وتكون قادرة على تحقيق الاستقرار وتلبية احتياجات الناس، سواء كانت ديمقراطية بالكامل أو تكنوقراطية مدعومة بقبول شعبي واسع، مع التأكيد على مبادئ المساءلة والعدالة.


المجتمع المدني والهيئات والمنظمات والأحزاب السياسية: أصوات في مهب الريح وتحدي التأثير


في ظل ضعف الدولة وتراجع دورها، يبرز دور المجتمع المدني والهيئات والمنظمات والأحزاب السياسية كقوى محتملة لتشكيل الوعي الاجتماعي والسياسي. المنظمات المحلية، التي غالباً ما تقودها نساء ورجال من قلب المجتمع، وإن كانت تعاني من تحديات التمويل والقيود الأمنية، إلا أنها الأقرب إلى نبض الشارع، وتعمل على رفع الوعي بقضايا حقوق الإنسان، والخدمات، والسلام، وتقديم الإغاثة. أما الأحزاب السياسية، فقد عانت من التشرذم والضعف، وفشلت في كثير من الأحيان في تقديم رؤى وطنية جامعة، مما أثر سلباً على الوعي السياسي للمواطن الذي فقد الثقة في قدرتها على تمثيله.


يرى الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أن "المجال العام هو الفضاء الذي يتشكل فيه الرأي العام والوعي السياسي من خلال النقاش العقلاني". في اليمن، تقلص هذا المجال العام بسبب الصراع، مما أضعف قدرة هذه الكيانات على أداء دورها بفاعلية. الوعي هنا يتطلب من هذه الكيانات إعادة بناء الثقة مع الجمهور، وتقديم برامج واضحة، والعمل على تعزيز المشاركة الشعبية، بدلاً من الاكتفاء بالخطابات النخبوية.


وسائل الإعلام التقليدية والجديدة: سيف ذو حدين في معركة الوعي


لوسائل الإعلام التقليدية (التلفزيون، الإذاعة، الصحف) والجديدة (الإنترنت، وسائل التواصل الاجتماعي) قوة هائلة في توجيه الرأي العام وتشكيل الوعي. لكنها في اليمن تعاني من الاستقطاب والتسييس الشديد، مما يحول دون تقديم صورة متوازنة وموضوعية للأحداث. فبينما توفر وسائل الإعلام الجديدة مساحة غير مسبوقة للتعبير عن الرأي وتبادل المعلومات، إلا أنها أيضاً بيئة خصبة لانتشار الشائعات والتضليل والتحريض على الكراهية، مما يعمق الانقسامات.


يقول عالم الاجتماع الإسباني مانويل كاستلز إن "مجتمع الشبكات يمنح الأفراد قوة غير مسبوقة في الوصول إلى المعلومات، لكنه يتطلب وعياً نقدياً عالياً لفرزها". في اليمن، يواجه الإعلام تحدياً مزدوجاً: فمن جهة، عليه أن يتجاوز الانقسامات ليقدم خطاباً وطنياً جامعاً، ومن جهة أخرى، يجب أن يعمل على تمكين المواطن من التفكير النقدي، لا مجرد تلقي المعلومات. الوعي هنا يتطلب من الأفراد تطوير مهارات "محو الأمية الإعلامية" للتمييز بين المصادر الموثوقة والمضللة، ودعم الأصوات الإعلامية المستقلة التي تسعى لخدمة الحقيقة والمصلحة الوطنية.


العولمة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية: تحدي الهوية والانفتاح على العالم


لم يكن اليمن بمعزل عن التأثيرات العولمة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، التي تتدفق عبر قنوات متعددة مثل التحويلات المالية من المغتربين، وتأثيرات الشتات اليمني، والإنترنت، والسلع الاستهلاكية، والأفكار. هذه العولمة، وإن كانت تفتح آفاقاً جديدة للمعرفة والتواصل، إلا أنها تفرض تحديات على الهوية الثقافية والاجتماعية، وتؤثر على الوعي الجمعي. فمن جهة، يتعرض المجتمع لأفكار وقيم جديدة قد تصطدم بالموروث التقليدي، ومن جهة أخرى، قد تزيد من الوعي بالحقوق العالمية وتطلعات التنمية والتقدم.


يرى عالم الاجتماع البريطاني أنتوني غيدنز أن "العولمة تفرض على الأفراد والمجتمعات نوعاً من الوعي الانعكاسي، حيث يصبحون أكثر وعياً بمكانهم في عالم مترابط". في اليمن، يتطلب هذا الوعي قدرة على التكيف مع المتغيرات العالمية مع الحفاظ على الأصالة، والاستفادة من فرص العولمة دون الذوبان فيها، أو فقدان الهوية الوطنية. كما أن العولمة تبرز التناقضات بين الواقع المحلي المتأزم والمعايير العالمية للعيش الكريم، مما قد يغذي وعياً نقدياً بضرورة التغيير.


الخاتمة: نحو وعي وطني جامع ومستقبل مستدام


إن الوعي الاجتماعي والسياسي في اليمن يمر بمرحلة حرجة، تتشابك فيها آثار الصراع مع تحديات تاريخية وبنيوية عميقة. ورغم كل الصعوبات، فإن هناك بصيص أمل يكمن في قدرة المجتمع اليمني على التكيف والصمود، وفي ظهور أشكال جديدة من الوعي تدعو إلى السلام، والوحدة، والعدالة، والتنمية. إن بناء يمن مستقر ومزدهر يتطلب جهداً جماعياً لتعزيز هذا الوعي، من خلال التعليم الجيد الذي يغرس قيم التفكير النقدي والتعايش، والإعلام المسؤول الذي يعزز الوحدة ويكشف التضليل، والمجتمع المدني الفاعل الذي يدافع عن الحقوق ويحفز المشاركة، والقيادة الرشيدة التي تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، والاستغلال الأمثل للثروات بما يخدم التنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية، وتوفير الخدمات الأساسية كحق أصيل للمواطن، يعيد الثقة بالدولة.


يختتم المفكر مالك بن نبي رؤيته حول بناء الحضارة بقوله: "إن مشكلة كل شعب هي أن يفهم مكانه في التاريخ". وهذا الفهم التاريخي يتطلب من اليمنيين اليوم وعياً عميقاً بتحدياتهم، وبقدراتهم الكامنة، وبضرورة التوحد حول مشروع وطني جامع. هذا الوعي هو الشرارة التي يمكن أن تضيء طريق اليمن نحو مستقبل يستحقه شعبه الصامد، مستقبل تُبنى فيه الدولة على أسس من العدل والشفافية والمواطنة الحقة، وتُصان فيه كرامة الإنسان، وتُستغل فيه الثروات لخير الجميع، وتُعزز فيه مشاركة كل أفراد المجتمع، رجالاً ونساءً، في صناعة القرار وبناء الغد الأفضل. إنها دعوة لليمنيين جميعاً، من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، لتوحيد الرؤى والجهود، والارتقاء بوعيهم ليكونوا بناة سلام حقيقيين، وصناع مستقبل مشرق، ينهض باليمن من رماد الحرب إلى آفاق العزة والكرامة.


علوي سلمان

الهوامش:



1. ابن خلدون: مقدمة بن خلدون رسائل في علم الاجتماع


2. يوهان غالتونغ: العنف والسلام، 2000 م


3. أمل الباشا: المرأة اليمنية صمود وتضامن قي زمن الحرب2020 م


4. عبد الغني الإرياني: المشاركة السياسية للمرأة في اليمن 2018م

5. عبد الله الفقية: الولاءات الفرعية وتأثيرها على الهوية الوطنية في اليمن 2017م

6. فرانسيس فوكوياما: الترتيب السياسي والانحطاط السياسي2014م


7. محمد عبد الجبار سلام: الديمقراطية في اليمن 2018م 


8. يورغن هابرماس: المجال الافتراضي العام 2011م


9. مانويل كاستلز: عصر المعلومات الاقتصاد والمجتمع والثقافة2022م

10. أنتوني غيدنز: العالم المتسارع كيف يعيد العولمة تشكيل حياتنا 2009م