آخر تحديث :الجمعة-03 يوليو 2026-09:08م

استقالة المحوري ودموع التماسيح

الجمعة - 03 يوليو 2026 - الساعة 02:31 م
فهد البرشاء


بين معارض يخشى على مصلحة ربما يفقدها، وبين مؤيد ذاق المرار والحرمان وخاف من إثم الأجيال، تماوجت استقالة مدير مكتب تربية أبين الدكتور وضاح المحوري، التي قدمها مسببة، وكان لمواقع التواصل الاجتماعي نصيب منها في الجدل الدائر.


المتباكون على قرار الاستقالة عللوا ذلك بالازدهار الذي شهدته العملية التعليمية، والمستويات الخيالية التي وصل إليها طلابنا، والذكاء الخارق الذي فاق كل التوقعات، أما المؤيدون فكانوا على النقيض تمامًا، وهم الأقرب للواقع، بل هم الواقع ذاته.


أما عني شخصيًا، وربما لسان حال الكثيرين ممن يغارون على واقع التعليم وحالة التدني التي شهدها، فكنت أتمنى أن تأتي الاستقالة منذ زمن بعيد، حفاظًا على ما تبقى للتعليم من قيمة وهيبة في هذه المحافظة التي كان التعليم فيها من المؤسسات السيادية التي كان يُشار إليها بالبنان، وتحولت إلى أطلال نبكيها.


كم تمنيت أن يقدم الدكتور المحوري استقالته حينما صُرفت حوافز للمعلمين في معظم المحافظات المحررة، وحُرم معلمو أبين ومتطوعوها من ذلك، ولو أنه فعل ذلك حينها لبلغت محبته في قلوب الجميع مبلغها، إلا أنه آثر الصمت ولم يحرك ساكنًا.


كم كنت أتمنى، وغيري كثير، أن يسارع سيادته لتقديم استقالته حينما كانت مدارس أبين تفتقر لأبسط الوسائل التعليمية والكتب والطباشير وأقلام السبورات، فكانت تجود بها أيادي الخيرين، وكفت التربية أيديها تمامًا عن كل شيء.


كم حزّ في نفسي أن يصمت سيادته، ولم يلوح حتى بتلويح بتقديم استقالته، حينما حُرم ما يقارب ألفي معلم من معالجة أوضاع رواتبهم والزيادة فيها، وحتى اللحظة لم تكتمل إجراءات تصحيح أوضاعهم منذ ثلاث سنوات، رغم أن جميع المحافظات عالجت هذه المشاكل الطفيفة.


كم تمنيت أن يعيد سيادته النظر في قرار التقاعد الذي طال ما يقارب ألفي معلم، فأضحت معظم مدارس أبين خاوية على عروشها، وعانت من نقص كبير وفراغ شل العملية التعليمية المشلولة أساسًا، ولكن الأمر مرّ مرور الكرام، رغم علمه أن التوظيف متوقف منذ العام 2011م.


كم كنت أتمنى أن يضع سيادته أمام السلطات المتعاقبة في أبين خيارين أحلاهما مر، يتمثلان في وقف نظام البديل الذي نخر في العملية التعليمية، وإيجاد حلول ناجعة ومناسبة، وتقديم استقالته، إلا أنه لم يحدث لا هذا ولا ذاك، وظل الوضع كما هو عليه حتى اللحظة، بل إن المصيبة أن البديل "تقنن" في عهده، مع أن معظم البدلاء لا يمتلكون مؤهلات.


كم كان يؤلمني حينما أشاهد الكوادر التعليمية تترك الحقل التعليمي وتغادره إلى أعمال أخرى، لأن الراتب لم يعد كافيًا لتلبية أبسط المقومات الأسرية، فكان ذلك بمثابة القشة التي قصمت ظهر العملية التعليمية في أبين، وبدلًا من المسارعة إلى احتوائهم ومعالجة مشاكلهم، ترك لهم الحبل على الغارب، حتى غدت معظم المدارس خاوية على عروشها بلا معلمين رسميين.


كم يؤلمني، والله، أن أشاهد جيلاً من الطلاب لا يعرف القراءة والكتابة وأبسط أبجديات الدراسة، في حقبة زمنية ستظل تلعن كل من كان سببًا في تدهور التعليم وتدني مستوياته والتجهيل الذي طال فلذات الأكباد.


الاستقالة، أيها السادة المتباكون، كانت متأخرة جدًا، ودموع التماسيح التي رافقتها حرام في حق محافظة بأكملها، سادت زمنًا بالحرف والكلمة والتعليم، ولكنها بادت حينما كان المطبلون ينافقون على حساب الأجيال.


رُفعت الجلسة