في الوقت الذي تتطلع فيه محافظة أبين إلى مرحلة أكثر استقرارا واتزانا، تتجه الأنظار إلى المجلس التنسيقي التوافقي المزمع تشكيله خلال الأيام القادمة، بوصفه إطارا يمكن أن يمثل إضافة مهمة للمشهد المحلي، إذا ما بُني على أسس واضحة، وانطلق من احتياجات الناس الحقيقية، ووضع نصب عينيه خدمة المحافظة ومساندة السلطة المحلية في أداء واجبها تجاه المواطنين.
إن أبين اليوم لا تحتاج إلى أجسام شكلية تضاف إلى قائمة العناوين، ولا إلى كيانات تستهلك الوقت والجهد في الجدل وتضارب الأدوار، بقدر ما تحتاج إلى مجلس راشد، متزن، واضح الرؤية، يعرف أين يقف، وماذا يريد، وكيف يمكن أن يكون عونا للسلطة المحلية وسندا للمواطن .
أبين تريد مجلسا يقترب من وجعها الحقيقي
من ينظر إلى واقع أبين اليوم يدرك أن الأولويات لم تعد قابلة للتأجيل أو الترف في الترتيب.
فهناك أرض عطشى تنتظر من يعيد إليها الحياة، ومزارعون أنهكتهم المواسم القاسية والإهمال الطويل، ومرافق خدمية تحتاج إلى إصلاح جاد، ومدارس تحلم بمن يعيد إليها الحد الأدنى من الحياة، ومواطنون أتعبتهم الأزمات المتلاحقة لكنهم ما زالوا يتمسكون بأمل أن يأتي من يعمل لأجلهم بصدق.
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لأي مجلس قادم لن تُقاس بكثرة الأسماء ولا بحجم الحضور، بل بقدرته على ملامسة هموم الناس، والاقتراب من احتياجاتهم، وتحويل فكرة التوافق من شعار سياسي أو اجتماعي إلى خدمة ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
الخدمات أولا… لأن المواطن لا ينتظر الخطابات
إذا أراد المجلس التنسيقي التوافقي أن يحجز لنفسه مكانا محترما في وجدان أبناء أبين، فإن أول ما ينبغي أن يضعه في مقدمة أولوياته هو ملف الخدمات بكل تفاصيله
المياه، والكهرباء، والنظافة، والطرقات، وتحسين المرافق العامة، وكل ما يمس حياة الناس مباشرة.
فهنا تحديدا تبدأ الثقة، وهنا يشعر المواطن أن هناك من يراه ويسمعه ويعمل من أجله.
أما الاكتفاء بالعناوين العامة، والابتعاد عن هموم الناس اليومية، فلن يصنع للمجلس مكانة، ولن يضيف للمحافظة ما تنتظره منه.
الزراعة… بوابة أبين الكبرى إلى التعافي
لا يمكن الحديث عن أبين من دون الحديث عن الزراعة، فهي ليست مجرد نشاط اقتصادي عابر، بل هي روح هذه المحافظة، وذاكرتها، وعمقها الاجتماعي، ومصدر رزق لآلاف الأسر.
وأبين حين كانت خضراء، كانت أكثر استقرارا وطمأنينة وكرامة.
ولهذا فإن من أهم ما ينبغي أن يلتفت إليه المجلس القادم هو إسناد القطاع الزراعي، والدفع باتجاه إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأرض والمياه وقنوات الري، ودعم المزارعين، ومساندة الجهات المختصة في معالجة الأضرار التي لحقت ببعض مناطق دلتا أبين جراء سيول الصيف الماضي.
إن الزراعة في أبين قضية حياة، وأي مجلس يريد أن يترك أثرا حقيقيا في المحافظة، لا بد أن يجعلها في صدارة اهتمامه، لأنها الطريق الأقصر إلى دعم الاقتصاد المحلي، وتثبيت الناس في أرضهم، واستعادة جزء كبير من عافية أبين المفقودة.
التعليم والصحة… لأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء الطريق
كما أن المجلس المنتظر مطالب بأن ينظر إلى التعليم بوصفه استثمارا في مستقبل أبين، لا مجرد قطاع خدمي عابر.
فالمدرسة ليست جدرانا وسبورات فقط، بل هي مشروع جيل كامل، وأمل أسر تريد لأبنائها حياة أفضل، ووعيا أوسع، ومستقبلا أقل قسوة من حاضرهم.
ومن هنا تبرز أهمية أن يتبنى المجلس، أو يدعم، كل ما من شأنه خدمة التعليم والمعرفة، بما في ذلك تشجيع طباعة ونشر المراجع العلمية الزراعية الموجودة في مركز البحوث الزراعية بمحافظة أبين، والتي يبلغ عددها نحو خمسة كتب علمية مهمة، يمكن أن تمثل قيمة كبيرة للمعاهد الزراعية، وكلية الزراعة، والمهندسين، والباحثين، والمهتمين، والمزارعين، إذا وجدت من يتبنى إخراجها إلى النور.
أما الصحة، فهي ملف لا يحتمل التأجيل ولا المجاملة.
فالمواطن المريض لا يعنيه كثير الجدل، بقدر ما يعنيه أن يجد سريرا نظيفا، ودواء متاحا، وخدمة تحفظ كرامته، ورعاية تخفف عنه وجعه.
وهنا أيضا يمكن للمجلس أن يؤدي دورا مساندا مهما، إذا جعل من دعم القطاع الصحي جزءا من رسالته، ومن تخفيف معاناة الناس أحد معايير نجاحه.
تطبيق القانون… حجر الأساس لأي عمل ناجح
وإذا كان من أولوية لا تقل أهمية عن الخدمات، فهي تطبيق القوانين بحذافيرها.
فلا تنمية حقيقية بلا قانون، ولا استقرار بلا مرجعية واضحة، ولا نجاح لأي مجلس أو مؤسسة إذا ظل العمل قائما على الاجتهادات المتضاربة أو العلاقات أو ردود الأفعال.
إن محافظة أبين، مثلها مثل أي محافظة تبحث عن التعافي، تحتاج إلى ترسيخ هيبة القانون، وإلى احترام الصلاحيات، وإلى دعم مؤسسات الدولة، لا القفز عليها أو خلق مراكز موازية لها.
ولهذا فإن المجلس التنسيقي التوافقي، إذا أراد أن ينجح، فعليه أن يجعل من احترام النظام والقانون، وتعزيز حضور السلطة المحلية، ومساندة مؤسساتها، جزءا أصيلا من هويته ودوره.
مجلس ناجح يعني وثيقة شرف وصلاحيات واضحة
إن حسن النوايا وحده لا يكفي لنجاح أي كيان عام، مهما كانت أهدافه نبيلة.
ولهذا فإن من الضروري أن يقوم المجلس المزمع تشكيله على وثيقة شرف واضحة تضبط مساره، وتحفظ رسالته، وتحدد القيم التي ينطلق منها، وتغلق الباب أمام أي خلافات أو التباسات مستقبلية.
كما أن من المهم جدا أن تكون هناك رؤية واضحة لصلاحيات المجلس، وقوامه، وآلية عمله، وعلاقته بالسلطة المحلية، وحدود تدخله، والجوانب الإدارية والمالية المنظمة له، حتى لا يتحول من فكرة توافقية جميلة إلى مساحة جديدة للاجتهادات المتعارضة أو التداخل غير المنظم.
فالمجالس لا تنجح فقط بحسن الغاية، بل تنجح أيضا بالوضوح والانضباط، ومعرفة كل طرف لحدوده ومسؤولياته، والعمل بروح التكامل لا المزاحمة.
ما الذي تنتظره أبين من هذا المجلس؟
أبين لا تنتظر من المجلس القادم أن يرفع الشعارات، بل أن يقترب من الناس.
تنتظر منه أن يساند السلطة المحلية في حلحلة الملفات الصعبة، وأن يساعد في ترتيب الأولويات، وأن يضع ثقله حيث يكون أثره أكبر: في الزراعة، والتعليم، والصحة، والخدمات، وتثبيت القانون، ومساندة مؤسسات الدولة.
تنتظر منه أن يكون صوتا للعقل، ومنصة للتفاهم، وجسرا بين الطاقات والخبرات، لا ساحة جديدة للخلاف أو تضارب الصلاحيات.
وتنتظر منه قبل كل شيء أن يشعر المواطن البسيط بأن هذا المجلس جاء من أجله، لا من أجل أن يضاف اسم جديد إلى المشهد.
آخر الكلام نجاح المجلس يبدأ من انحيازه للناس
إن المجلس التنسيقي التوافقي المزمع تشكيله في أبين يمكن أن يكون فرصة حقيقية للمحافظة إذا انطلق من هموم الناس، واحترم القانون، وسار في خط موازٍ ومساند للسلطة المحلية، لا متقدما عليها ولا منفصلا عنها.
ويمكن له أن يترك أثرا جميلا إذا جعل بوصلته واضحة: خدمة المواطن، دعم مؤسسات الدولة، ترتيب الأولويات، والاقتراب من الملفات التي تمس حياة الناس مباشرة.
أبين اليوم تطلب من يعمل لها بصدق، ويمنحها ما تستحقه من اهتمام، ويعيد إلى أهلها بعض الطمأنينة، وبعض الثقة، وبعض الأمل في أن القادم يمكن أن يكون أجمل.
فإن كان هذا المجلس قادرا على أن يكون إلى جانب الناس، ومع السلطة المحلية، وفي صف القانون، فسيجد من أبناء أبين كل الاحترام والمساندة والدعاء.
أما إذا ابتعد عن وجع الناس الحقيقي، وانشغل بما لا ينفعهم، فسيكون قد أضاع على المحافظة فرصة كانت في أمسّ الحاجة إليها.