تتشكل الجمهورية الخاصة عندما تتحول اختلافات الوصول إلى الموارد والقواعد داخل الدولة إلى آلية لإنتاج تفاوت مستمر في القدرة الاقتصادية بين الفاعلين، بدل أن تكون إطارًا لتوحيد شروط العمل الاقتصادي.
في اليمن، لا يتجسد هذا التحول في صورة اقتصادين منفصلين، بل في اقتصاد واحد يخضع لإطارين مختلفين من شروط التشغيل داخل الدولة نفسها، حيث يؤدي الانقسام المؤسسي والنقدي إلى تباين الكلفة والمخاطر وإمكانات النمو، رغم استمرار الدولة في وجودها القانوني والإداري والمؤسسي.
وبذلك تتحول الدولة إلى بناء قانوني واحد ينتج آثارًا اقتصادية غير متكافئة، فتتراجع وظيفة المؤسسات من توحيد المجال الاقتصادي إلى إعادة إنتاج التفاوت داخله.
أولًا: تباين شروط الوصول الاقتصادي
يتحدد الاختلال الاقتصادي عبر اختلاف شروط الوصول إلى النشاط الاقتصادي أكثر من اختلاف مستويات الدخل. وفي اليمن يؤدي الانقسام المؤسسي إلى تباين كلفة التعامل مع المؤسسات، وإمكانية التنبؤ بسلوكها، وحدود الامتثال لها، تبعًا لموقع الفاعل داخل البنية الاقتصادية.
داخل هذا السياق يظهر نمطان من الفاعلين: فاعلون يتعاملون مع المؤسسات بكلفة منخفضة وقدرة أعلى على تحويل القواعد إلى سلوك اقتصادي مستقر، وفاعلون آخرون تتحول القواعد ذاتها بالنسبة لهم إلى مصدر كلفة وعدم يقين متكرر نتيجة اختلاف القدرة على امتصاص التعقيد المؤسسي وإعادة توظيفه داخل النشاط الاقتصادي.
وبذلك يتحول الوصول إلى الإطار المؤسسي ذاته إلى مورد اقتصادي غير متكافئ التوزيع، تتحدد من خلاله فرص الفاعلين ونتائجهم الاقتصادية بدرجة لا تقل أهمية عن الموارد أو الكفاءة.
ثانيًا: إعادة تشكيل الحوافز الاقتصادية
يتغير منطق الحوافز داخل هذا النمط من البنية الاقتصادية، حيث تتراجع مكانة الإنتاجية بوصفها المرجع المباشر لتوزيع المكاسب، بينما تتقدم القدرة على التكيف مع البيئة المؤسسية وإدارة التعقيد التنظيمي بوصفها مصدرًا رئيسيًا للميزة الاقتصادية.
وتتجه المكافأة الاقتصادية تدريجيًا نحو الفاعلين القادرين على تحويل عدم الاستقرار المؤسسي إلى مورد تشغيلي يمكن استثماره، فتتراجع أهمية الكفاءة الإنتاجية وحدها في تفسير النتائج الاقتصادية.
ومع استمرار هذا النمط، يعاد تشكيل السلوك الاقتصادي نفسه، بحيث تصبح المرونة في التعامل مع القواعد المتغيرة عنصرًا حاسمًا في القرار الاستثماري، بينما تتراجع جاذبية الاستثمار طويل الأجل الذي يعتمد على استقرار البيئة المؤسسية وقابلية التنبؤ بها.
ثالثًا: الخدمات العامة وإعادة توزيع القدرة الاقتصادية
تتحول الخدمات العامة من عناصر داعمة للنشاط الاقتصادي إلى محدد مباشر لشروط العمل داخله، إذ تؤثر الكهرباء والسيولة والخدمات المالية والبنية التحتية في الكلفة التشغيلية وإمكانات الحفاظ على الاستقرار الإنتاجي.
ويتباين أثر هذه الخدمات تبعًا لاختلاف الوصول إليها، بما ينعكس على قدرة الفاعلين في مواجهة التقلبات الاقتصادية، ويجعل استدامة النشاط مرتبطة بدرجة الوصول إلى الخدمات أكثر من ارتباطها بالكفاءة الإنتاجية وحدها.
وبذلك يعمل تفاوت الوصول إلى الخدمات كآلية لإعادة إنتاج الفوارق داخل السوق، حيث تتحول إلى فلتر يعيد توزيع فرص الاستمرار والمنافسة بين الفاعلين وفق مواقعهم داخل البنية الاقتصادية.
رابعًا: الجمهورية الخاصة وإعادة تعريف وظيفة الدولة
تعمل الدولة داخل هذا النمط بوصفها منظومة تختلف نتائجها الاقتصادية باختلاف مواقع الفاعلين داخل الجهاز الإداري والمالي والتنظيمي، بحيث لا تنتج القواعد نفسها أثرًا متقاربًا بين جميع الأطراف، حتى عند اتساقها في الصياغة القانونية.
وينشأ هذا التباين عبر مسارات التنفيذ، حيث تمر السياسات خلال مستويات متعددة من الوساطة الإدارية والمالية والتنظيمية، فتتغير الكلفة الفعلية وشروط الوصول إلى أثرها الاقتصادي، ويتراجع تدريجيًا تجانس وظيفة الدولة داخل المجال الاقتصادي.
وعند هذه النقطة تنفصل وحدة البناء القانوني عن وحدة الأثر الاقتصادي، فيصبح اختلاف نتائج السياسات جزءًا من طريقة اشتغال الدولة ذاتها، لا مجرد انحراف في تطبيقها.
خامسًا: استعادة الإطار الاقتصادي المشترك
لا يرتبط استعادة الإطار الاقتصادي المشترك بتوسيع الحضور الإداري للدولة، وإنما بتقليص التباين في نتائج تطبيق القواعد عبر مستويات التنفيذ المختلفة، بما يعيد إنتاج أثر اقتصادي أكثر تقاربًا بين الفاعلين.
ويقتضي ذلك تقليص الفجوات في الوصول إلى الموارد والخدمات العامة، وتعزيز قابلية التنبؤ داخل النشاط الاقتصادي، بحيث لا تتحدد النتائج باختلاف المواقع داخل البنية المؤسسية.
وعندها يصبح الإطار الاقتصادي المشترك نتاجًا لتقارب الأثر المؤسسي بين الفاعلين، أكثر من كونه انعكاسًا لوحدة النص القانوني، وتُقاس وحدة الدولة بقدرتها على إنتاج شروط عمل متقاربة لا بمجرد اتساع قواعدها الرسمية.
خاتمة
يتحدد تماسك الجمهورية بقدرتها على إنتاج أثر اقتصادي متقارب بين الفاعلين داخل المجال نفسه. ومع اتساع الفجوة في نتائج التطبيق المؤسسي، تتراجع وظيفة الدولة بوصفها منتجًا لشروط عمل عامة، ويصبح اختلاف المواقع داخل البنية المؤسسية عاملًا مباشرًا في تحديد الفرص الاقتصادية.
وعندما تتحول القواعد الواحدة إلى نتائج متفاوتة، تتغير آلية توزيع المكاسب والمخاطر داخل الاقتصاد، فتفقد المواطنة وظيفتها الاقتصادية المشتركة، ويغدو الوصول إلى المؤسسات والخدمات جزءًا من تحديد القيمة الاقتصادية للانتماء إلى الدولة.
بهذا المعنى، لا تنتهي الجمهورية عند انهيار مؤسساتها، وإنما عندما تعجز عن إنتاج شروط عمل متقاربة تمنح الفاعلين أثرًا اقتصاديًا متكافئًا داخل الإطار القانوني نفسه.
نايف حمود العزي
باحث في اقتصاد الحرب والتحولات الاقتصادية