آخر تحديث :الخميس-30 يوليو 2026-12:48ص

الإمامة حين حولت اليمن في وجدان أبنائه إلى محطة مؤقتة!

الثلاثاء - 30 يونيو 2026 - الساعة 09:15 م
د. سلطان مشعل


لمن أراد سماع أصوات الشعوب وقرائة وجدانها فليسمع الأدب الذي ينتجه هذا الشعب أو ذاك.

فالأدب في جوهره ليس سوى مرآة كاشفة عن روح الشعوب ومرصدٍ دقيقٍ لآلامها وتحوّلاتها العميقة.

واليمن كشعب وأمة ليس بمعزل عن ذلك، فالأدب اليمني بشقّيه الشعبي والفصيح رغم ندرته وتشتّته بين المدوَّن والشفاهي يمثل حالة استثنائية!

حيث تتعدد الأشكال وتتنوع القوالب ما بين الشعر الفصيح إلى الغنائي، ومن الزامل إلى البالة، ومن المَهْيَد إلى المغرد، وما بين نكهة تصوف وترانيم غناء تأتي الأهازيج والتواشيح وفنون المواسم بما تطفح به من"بوح" وبما تسكبه من "شجون" وبما تتأوهه من "آهات".

تلك النصوص جميعاً تتقاطع عند نغمةٍ واحدة وتلتقي حول محورٍ واحد ومنعطف واحد يكاد يحتكر وجدانها ويوحد تجاربها.


إنه محور الأوجاع والآلام ومنعطف الأنين والآهات.

وبما أن الأدب - كما أسلفنا - مرآةٌ كاشفة لوجدان الشعوب ومرصدٌ دقيق لآلامها.

فإنه وبعد إلقاء نظرة على تلك المرآة ومرورٍ كريمٍ على ذلك المرصد إستوقفتنا نقطة وجدانية كشفت عن محطة هامة من محطات الجحيم التي صاحبت اليمنيين في حياتهم وملأتها عليهم نكداً وألماً.

إنها "الغربة" وما أدراكم ما الغربة؟!

إنها المفردة التي تعني الوجع والشقاء والمقاساة.

فهي الخطر والسفر وهي الهجرة والتهجير وهي الفراق والنأي وهي البين والأنين.

فليست في وجدان اليمنيين مجرد موضوعٍ عابرٍ فحسب! بل هي متلازمةٌ تاريخيةٌ وُجدت مطلع القرن الرابع الهجري كـ برنامج عمل قَدِم به "يحي حسين الرسي" وكنتيجة طبيعية

لمشروع "الإمامة" الذي تبناه وجعل منه الركن الرئيس والأكثر أهمية في الدين أولا وللدنيا ثانياً.


ذلك البرنامج كان محطة انحدار كبرى في حياة اليمنيين، كون ذلك البرنامج تم تعميمه في حياة اليمنيين عبر "دولة" أقامها على فكرة: "أنا خير منه" وبرسالة: "لأغوينهم أجمعين" وباعتبار "الولاية" نظريتها وتحت شعار: "قاتل بمَن معك مَن خالفك".

وبذلك دخلت اليمن حقباً سوداوية خلالها شُلّت الحياة في جوانبها الاقتصادية والثقافية واغتِيل العقل وطُمرت يناييع المعرفة وجُهّل المجتمع وأُصِّل للخرافة، وبناء على ذلك أخذ القتل والاقتتال مساحة كبرى في حياة اليمنيين يشهد لها حجم المقابر التي ماتزال وستظل تتصدر موسوعة "جينيس" للأرقام القياسية.


ومنذ ذلك التاريخ ونتيجة لذلك التحول إنطلقت جموع اليمنيين في موجات هجرات جماعية طلبا للنجاة وسعيا وراء ستر الحال وبحثا عن فرصٍ أرحب للحياة.

وبهذا لم تكن الهجرة خياراً ثقافياً أو ترفاً إنسانياً لدى اليمنيين، بل كانت استجابةً قسريةً لواقع سياسي واجتماعي واقتصادي ليس ضاغطاً فحسب بل فاسدُُ وقاتلٌ في نفس الوقت.

تلك الهجرة المتوارثة وذلك الاغتراب المتراكم كانا وما زالا يمثلان رحلة نأيٍ ذات أثمانٍ قاسية.

فالمغترب لا يغادر المكان فقط بل يترك خلفه عالماً كاملاً ما بين: أُمٍّ ينهشها الانتظار وأبٍ يثقله الصمت وزوجةٍ تعيش على أمل العودة وأطفالٍ يكبرون في ظل الغياب ناهيك عن القلوب المتعلقة بالأحلام المؤجلة.


ومن هنا لم يكن الأدب اليمني إلا صدىً حياً لهذا النزف الإنساني؛ ولهذا الجرح المستديم الذي تتوزع في ثناياه حُرَقُ اللوعات والأحزان وتتفجّر بسببه أنهارٌ من الأسى وشلالاتٌ من الأشجان.

ففي تلك النصوص نسمع أنين البعد ونلمس حرارة الشوق ونقرأ الرسائل التي تهزّ القلوب والتي تفيض بصدق المكابدة.

هناك حيث تتكثف المشاعر حتى تكاد تُرى وتتحول الكلمات إلى دموعٍ ناطقة والحنين إلى حالةٍ جمعيةٍ تتقاسمها الأرواح.

إنّه أدبٌ لا يكتفي بالسرد.

بل يصرخ! ويئن! ويبوح! بما تعجز عنه الحياة اليومية.

وقد مارست الإمامة في حق اليمييين لوناً أكثر قسوةً وأشد بشاعةً من الاغتراب - لم يعرفه غيرهم من البشر البتة! - تمثّل في ظاهرة "الرهائن" التي شكّلت الصفحة الأحلك والأكثر سوداوية في صفحات التاريخ الاجتماعي.


لقد كان ذلك الشكل من التغييب القسري تمزيقاً مباشرا لنسيج الأسرة واغتيالًا بطيئاً للأمل وتعذيبا نفسيًا ممتداً يفتك بالأفراد والمجتمع على حدّ سواء.

وعندما بزغ فجر ثورتي سبتمبر وأكتوبر تعلّقت آمال اليمنيين بإمكانية الخلاص من هذه المآسي المركّبة.

وقد تحقق بالفعل إنجازٌ بالغ الأهمية تمثّل في إنهاء كابوس الرهائن وإعادة الاعتبار للإنسان اليمني وكرامته.

وانتصرت العدالة والمساواة وانتُزعت الحرية وأُعتق اليمني وانفك من الأغلال.

و قد كان ذلك التحوّل بمثابة عودة اليمني إلى الحياة بعد عبوديةٍ واختناقٍ داما طويلاً.

من هنا يمكن القول بأن سبتمبر هو خيط الأمل الوحيد وطوق النجاة الأكيد، لأنه به تم الانعتاق ومنه كان الانفكاك والانطلاق، ومن رحمه وُلد صك الإنسانية لليمني وتفتقت خلاله باكورة حقوقه كـ: "إنسان" له ما للإنسان وألَّيس عليه سوى ما على نظيره الإنسان.!