م. عبدالناصر صالح ثابت
في معظم أنحاء العالم، لا یُنظر إلى التطوع بوصفھ بدیلاً عن دور الدولة، بل دلیلاً على وعي المجتمع وحیویتھ. لذلك
والتوظیف؛ إیمانًا بأن بناء الأوطان مسؤولیة مشتركة. تحرص الدول على تشجیعھ، وتوثیق ساعات العمل التطوعي للأفراد، ومنح المشاركین فیھ مزایا تُحتسب في الدراسة
ولم تكن ھذه الثقافة غریبة عن مجتمعنا في الجنوب. ففي المدن، كانت حملات التوعیة تدعو إلى المحافظة على
وغرس الأشجار، وترتیب الفصول، ونعدُّ ذلك جزءًا من انتمائنا لمدرستنا. النظافة، وحمایة الممتلكات العامة، وتعزیز التعاون بین الجیران. وفي المدارس، كنا نشارك في تنظیف الساحات،
ولا ننسى حملة محو الأمیة في ثمانینیات القرن الماضي، حین تطوع مئات المعلمین والموظفین لتعلیم الكبار بعد
ساعات الدوام الرسمي. كانت تجربةً جسدت معنى المسؤولیة المجتمعیة، وأثبتت أن التطوع یصنع أثرًا كبیرًا عندما
تتوافر الإرادة.
أما في الریف، فما زلت أتذكر كیف كان أحد كبار السن أو الشباب یحمل مكبر صوت صغیرًا یعمل ببطاریات الرادیو،
ویجوب القرى منادیًا: «غدًا صباحًا مبادرة لإصلاح الطریق»، أو «مبادرة لتنظیف منابع المیاه وآبارھا»، أو «مبادرة
بإنجاز یصنعھ الجمیع. لصیانة المدرسة». لم یكن أحد یسأل: من سیدفع؟ أو من المسؤول؟ بل كان الجمیع یدرك أن ما یبدأ بنداء بسیط ینتھي
یحق لنا أن نتساءل: أین ذھبت تلك الروح؟
نحن بحاجة الیوم إلى التطوع أكثر من أي وقت مضى. فقد تغیرت الظروف، وازدادت الأعباء، وأضعفت الصراعات
والحروب قدرة المؤسسات على تقدیم الخدمات الأساسیة، فاتسعت دائرة المعاناة. وفي ھذا الظرف الاستثنائي، أصبح
التطوع والتعاون ضرورةً ملحةً للتخفیف من آثار الأزمة، والحد من تدھور الأوضاع.
ولتحقیق ذلك، فلیس المطلوب أن یقدم الجمیع المال، بل أن یقدم كل شخص ما یستطیع؛ ساعةً من وقتھ، أو خبرة،ً أو
فكرة،ً أو مشاركةً في مبادرة تخدم الحي، أو المدرسة، أو المستشفى، أو أي مرفق عام. فالأعمال الكبیرة تبدأ دائمًا
بخطوات صغیرة.
لقد كان آباؤنا وأجدادنا یشقون الطرق، ویحفرون الآبار، ویبنون المدارس بتكاتفھم، رغم قلة الإمكانات. أما نحن،
فأصبحت بین أیدینا وسائل اتصال وتقنیات لم تكن متاحة لھم، یمكن توظیفھا في نشر ثقافة التطوع، والتوعیة بأھمیتھ،
وتحفیز الناس على المشاركة، بدلاً من استنزافھا في الخلافات والمھاترات، وإضاعة الوقت فیما لا ینفع.
فالتطوع لیس تنظیف شارع أو غرس شجرة فحسب، بل ھو ثقافة ومسؤولیة. وھو أن ترى مشكلةً فتسأل: ماذا أستطیع
أن أقدم؟ بدلاً من الاكتفاء بالشكوى وانتظار الآخرین.
قد لا نستطیع حل جمیع مشكلاتنا، لكننا نستطیع أن نعید إحیاء قیمة عظیمة كادت أن تغیب؛ قیمة التعاون. ففي زمن
وتخفف من معاناة الناس. تتسع فیھ الاحتیاجات، وتتراجع فیھ الإمكانات، یصبح التطوع أحد أھم جسور التكافل التي تحفظ تماسك المجتمع،