من هنا من بوابة المعدة أخاطبكم، من على فم طفل لم يجد حليبه أخاطبكم، أخاطبكم من على جرح مريض لم يجد قيمة الدواء، أخاطبكم من أمام عجوز لم تجد ما تبرد به جسدها في حر هذا الصيف اللاهب، من جيب كل موظف لا يوجد فيه قيمة المواصلات أخاطبكم، من مقلة كل من عصف بهم الدين أخاطبكم، من هنا أقف لأقول لكم نحن هنا نقف على قارعة طريق الفقر والعوز والحاجة والمرض، فأين أنتم؟ أين أنتم أيها اللاهون بأحوال الشعب، والسامدون على أنغام وجعه وأنينه؟ أين أنتم يا من استرعاكم الله علينا؟
أيها المسؤولون عن هذا الشعب إنني أخاطبكم من بين مسامات جلد هذا الشعب الذي سلخه الحر، ومن بين ضوضاء أنين الشيوخ وبكاء الأطفال وزفرات الشباب ونحيب النساء، ومن أمام حنفية ماء قد صدئت أخاطبكم، ومن على قارعة الانتظار الطويلة لعل الكهرباء تأتي أخاطبكم، ومن بين خوف على مستقبل أجيالنا أخاطبكم، وأقول لكم: نحن هنا نعيش الذل ألوانًا، فأين أنتم؟
أيها المسؤولون عنا: أخاطب فيكم بقية ضمير وبقية إنسانية إن تبقى لكم شيئًا من ذلك، أخاطب فيكم الأبوة والحنان لأبنائكم لعل ذاك يحرك فيكم آدميتكم، أخاطب القيم إن بقي لكم منها شيئًا، أخاطب فيكم إسلامكم لعلكم تستفيقون، فالشعب يقف على حافة هاوية عميقة، وحفرة لا قرار لها، وأنتم تتسابقون على الفنادق وتتقاسمون الأموال وتتنافسون على تقديم الطاعة المطلقة للخارج على حساب وطنكم وشعبكم المنكوب، وهذا الشعب يئن ويتوجع فلا ماء ولا كهرباء ولا راتب يعين على متطلبات الحياة في أبسط صورها، فأين أنتم يا ساسة هذا البلد؟ أما نحن فنحن هنا نعيش عام الرمادة، والسنين العجاف، فيقتلنا إهمالكم وجشعكم ولصوصيتكم وسوء إدارتكم لهذا الوطن.
أيها المسؤولون عن هذا الوطن أين أنتم؟ أما نحن فنحن نرتدي ثوب الجوع الحارق، فهل جربتم الجوع ولو ليوم واحد؟ هل أكتويتم بنيران خلو الجيب وأبناؤكم لا يجدون قيمة دواء الحُمى؟ هل عشتم قهر الآباء على عدم قدرتهم على توفير متطلبات الحياة لأبنائهم؟
لا أظنكم عشتم يومًا من أيام رمادتنا التي نعيشها، ولا عركتكم سنوات عجاف كسنين طحنتنا، فلا أراكم إلا وأنتم ترفلون في نعيم الدنيا وتغوصون فيه حتى أذنيكم، نحن هنا بين القمامات نسير وعلى مياه الصرف الصحي ندوس، وبلا ماء ولا كهرباء نعيش، فأين أنتم؟ نحن هنا نتقاسم الهموم، فأين أنتم في هذا العالم الفسيح؟
لقد نسينا معالم صوركم، ولم نعد نراكم تجتمعون وتناقشون الأوضاع وتوجهون بحل مشاكلنا، أما نحن فنحن هنا قد تبدلت صورنا وانهارت قوانا وأذلنا الفقر وقلة ذات اليد، فأبواب المحلات التجارية تكاد تنطبق عند رؤيتنا، ولكننا نقاوم حتى نعيش لعلنا نرى يومًا فيكم كما رأيناه في أسلافكم من الذين كانوا أرحم منكم في تعذيبنا.