كتبه : عبدالباري الباركي الكلدي
على مدى عقود، عاشت العديد من الدول العربية تحت أنظمة جمهورية رفعت شعارات الحرية والعدالة وتداول السلطة، إلا أن الواقع في كثير من هذه البلدان كشف عن فجوة كبيرة بين النظرية والتطبيق. فقد تحولت بعض هذه الجمهوريات إلى أنظمة مغلقة، تسيطر عليها نخبة محدودة، وتغيب فيها الشفافية والمساءلة، مما أدى إلى صراعات سياسية، وانقسامات داخلية، وحروب أرهقت الشعوب وأضعفت الدولة.
إن تعدد الأحزاب في هذه الدول، بدلاً من أن يكون عامل إثراء للحياة السياسية، أصبح في كثير من الأحيان سبباً للصراع والتناحر، خاصة عندما يغيب الإطار القانوني العادل، وتُستخدم القوة والنفوذ بدلاً من الاحتكام إلى المؤسسات. وبدلاً من التداول السلمي للسلطة، شهدنا حالات من التمسك بالحكم لعقود طويلة، ولم ينتهِ ذلك إلا بانقلابات أو وفاة الحاكم، في مشهد يُقارب في مضمونه فكرة “التوريث السياسي” وإن اختلفت تسمياته.
في المقابل، تبدو الأنظمة الملكية في عدد من الدول العربية أكثر استقراراً، حيث نجحت في الحفاظ على تماسك الدولة، وتقليل حدة الصراعات الداخلية، وتوفير قدر من الاستمرارية في الحكم. وقد يرى البعض أن هذا الاستقرار يعود إلى طبيعة النظام الملكي نفسه، الذي يختصر الصراع على السلطة، ويوفر مرجعية واضحة للحكم.
غير أن هذا الطرح يستدعي التوقف والتأمل. فنجاح بعض الأنظمة الملكية لا يعني بالضرورة أن الملكية هي الحل المطلق، كما أن فشل بعض الجمهوريات لا يعني أن فكرة الجمهورية بحد ذاتها فاشلة. الحقيقة الأعمق تكمن في وجود مؤسسات قوية، وعدالة في توزيع السلطة والثروة، وإدارة حكيمة للتنوع السياسي والاجتماعي.
في الحالة اليمنية، ومع ما شهدته البلاد من حروب وصراعات سياسية طويلة، يبرز التساؤل: هل يمكن التفكير في نموذج مختلف للحكم يحقق الاستقرار؟ وهل يمكن أن يكون النظام الملكي أحد الخيارات المطروحة، خاصة في الجنوب الذي عرف تاريخياً أنظمة سلطانية مثل السلطنة القعيطية في حضرموت والسلطنة العبدلية في لحج؟
إن استحضار هذه التجارب التاريخية قد يفتح باب النقاش، لكنه لا يكفي وحده لبناء نموذج معاصر. فالعالم اليوم أكثر تعقيداً، والمجتمعات أكثر وعياً، والتحديات أكبر من أن تُحل بنقل نماذج الماضي كما هي. كما أن فكرة اختيار شخصية واحدة للحكم وتوريث السلطة تظل محفوفة بالمخاطر، ما لم تُدعّم بدستور واضح، ومؤسسات قوية، وضمانات حقيقية للعدالة والمساءلة.
ورغم كل ما يُطرح من أفكار حول شكل النظام السياسي ومستقبله، يبقى من الضروري الاعتراف بأن مثل هذه الطروحات قد لا يكون وقتها مناسباً في ظل الواقع الحالي الذي تعيشه اليمن، حيث الانقسامات الحادة، وغياب الدولة، وتعدد مراكز القوى. فالأولوية اليوم ليست في تغيير المسميات بقدر ما هي في إيقاف النزيف، واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار، وبناء أرضية مشتركة يمكن الانطلاق منها نحو المستقبل.
ومع ذلك، فإن الأمل لا يزال قائماً في أن ترتقي النخب السياسية إلى مستوى المسؤولية التاريخية، وأن تُغلّب مصلحة الشعب على المصالح الضيقة، وتدرك أن استمرار الصراع لن يُنتج إلا مزيداً من التدهور والمعاناة. كما أن من المهم السعي للاستفادة من تجارب الدول الراعية والداعمة لليمن، وخاصة تلك التي نجحت في تحقيق الاستقرار وبناء أنظمة حكم متماسكة، وذلك من خلال طلب العون والدعم السياسي والاقتصادي، بما يسهم في إعادة بناء الدولة على أسس أكثر صلابة وعدالة.
إن الطريق إلى الاستقرار قد يكون طويلاً ومعقداً، لكنه يبدأ بخطوة صادقة نحو التوافق، وإرادة حقيقية لإنهاء الصراع، ووعي جماعي بأن مستقبل اليمن لا يمكن أن يُبنى إلا بالشراكة، لا بالإقصاء، وبالحكمة، لا بالغلبة.
فليست العبرة في أن يكون النظام ملكياً أو جمهورياً، بل في أن يكون عادلاً، رشيداً، وقادراً على تحقيق تطلعات الناس في الأمن والكرامة والاستقرار.