في السياسة، قد تتبدل المواقف حين تتبدل المعطيات، وقد يراجع الإنسان قناعاته إذا تكشفت له حقائق جديدة؛ فالمراجعة فضيلة، والاعتراف بالخطأ شجاعة، والثبات على الخطأ ليس مبدأً ....بل عناد.
غير أن ثمة فرقًا شاسعًا بين المراجعة الفكرية الصادقة، والهجرة الموسمية بين الولاءات، وبين التحول الذي تصنعه القناعة، والتحول الذي تصنعه المصلحة.
لقد أصبحنا نعيش زمنًا لا يحتاج فيه بعض المتصدرين للمشهد الإعلامي إلى أكثر من ليلة واحدة لينتقلوا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن منصة التبجيل إلى منصة التخوين، ومن صناعة الأصنام إلى تحطيمها، وكأن الذاكرة الجمعية قد أصابها العمى، أو كأن أرشيف الأمس قد أُحرق قبل أن تشرق شمس اليوم.
والأعجب من ذلك أن بعضهم لا يكتفي بتغيير موقفه، بل يريد من الآخرين أن يغيّروا ذاكرتهم أيضًا. يريدك أن تنسى آلاف الكلمات التي خطها في الثناء، ومئات الساعات التي قضاها في التصفيق، ثم يخرج عليك بثقة الواثقين ليخبرك أن الحقيقة لم تبدأ إلا منذ اللحظة التي غادر فيها السفينة.
إنها ظاهرة تستحق أن تُدرَّس في علم الاجتماع السياسي أكثر مما تُدرَّس في الإعلام؛ لأنها تكشف كيف تستطيع المصلحة أن تعيد تشكيل الضمير، وكيف يتحول المبدأ إلى قطعة أثاث تُستبدل كلما تغير ديكور المرحلة.
أما الأخطر....
فهو حين يصدر هذا السلوك عن إعلاميين ومثقفين؛ لأن المثقف ليس مجرد ناقل للأخبار، بل صانع للوعي، والإعلامي ليس بوقًا متنقلًا بين المنصات، بل شاهدٌ على عصره، وأمينٌ على الكلمة.
فإذا تحولت المنابر إلى مزادات للمواقف، ضاع الفارق بين الكلمة والسلعة، وبين القلم واللافتة الإعلانية.
إن المثقف الذي يبدل ولاءه كلما تبدلت موازين القوى، يشبه بوصلة لا تشير إلى الشمال، وإنما تشير إلى الجيب الأكثر امتلاءً.
ولذلك، فالمشكلة ليست في أنه غيّر موقفه؛ فكل إنسان قد يغيّر اجتهاده إذا ظهرت له الحقيقة، وإنما المشكلة أنه يريد أن يقنع الناس بأن المبادئ تتبدل بسرعة أسعار العملات، وأن الحقيقة تصدر لها نشرة يومية تُذاع بحسب اتجاه الريح.
وليس المقصود هنا تجريم الاختلاف....
فالاختلاف سنة الحياة، ولا تقديس الأشخاص أو الكيانات السياسية، فجميعها قابلة للنقد والمساءلة.
لكن النقد الذي يولد من رحم المبادئ يختلف عن النقد الذي يولد من رحم الخصومة، كما أن المدح الصادق يختلف عن المدح الذي يُكتب بالحبر نفسه الذي ستُكتب به الشتائم غدًا.
إن الأمم لا تُبنى بالمصفقين، وإنما تُبنى بأصحاب المواقف الثابتة؛ أولئك الذين إذا أيّدوا فعلوا ذلك عن قناعة، وإذا عارضوا فعلوا ذلك بعدل وإنصاف، فلا يحملهم الحب على التأليه، ولا يحملهم الغضب على الإنكار المطلق.
لقد أصبح بعض نجوم الإعلام يمارسون السياسة كما يمارس الممثل تبديل أزيائه بين الفصول؛ فلكل مرحلة لباسها، ولكل سلطة قصيدتها، ولكل خصومة قاموسها الجديد. أما الجمهور، فيُطلب منه دائمًا أن يصفق للمشهد الجديد، وكأن المشهد السابق لم يكن.
ومن هنا تبدأ أزمة الوعي !!!
فحين يفقد الناس الثقة في ثبات النخب، يفقدون الثقة في الخطاب كله. وعندما يصبح المثقف أول من يساوم على قلمه، والإعلامي أول من يساوم على كلمته، فإن الخاسر الحقيقي ليس حزبًا ولا تيارًا، بل الوطن بأكمله.
وتذكرت كل هذه المعاني وأنا أرى أولئك الذين كانوا بالأمس يتصدرون منصات التطبيل، وقد بدّلوا مواقفهم كما تُبدَّل الثياب، ونزعوا عن أنفسهم آخر ما تبقى من حياءٍ سياسي، بمجرد أن خُيِّل إليهم أن سفينة المجلس الانتقالي تميل إلى الغرق.
فإذا بالألسنة التي كانت تُسبّح بحمده، تنقلب بين ليلة وضحاها إلى معاول هدم، وإذا بالأقلام التي كانت تكتب المدائح بماء الذهب، تكتب اليوم لوائح الاتهام بالحبر نفسه.
لقد تبدلت الأدوار بسرعة مذهلة؛ فأصبح خائن الأمس وطنيًا من الطراز الأول، وعدو الأمس حليفًا مقربًا، وتحولت الخصومات إلى صداقات، والمبادئ إلى أوراق تفاوض، والولاءات إلى بضائع تُعرض في سوق السياسة لمن يدفع أكثر.
ولم يكتفِ هؤلاء بتبديل جلودهم، بل اندفعوا إلى محو آثار الأمس من ذاكرتهم، وكأن التاريخ لا يحتفظ بصورة، ولا الأرشيف يسجل كلمة، ولا الناس تتذكر ما قيل وما كُتب.
والمفارقة الأكثر مرارة أن الجميع يعرف حقيقتهم، ويعرف أن انتقالهم لم يكن انتصارًا لفكرة، ولا مراجعةً لقناعة، وإنما كان هجرةً إلى حيث تتجه الريح...
ومع ذلك..
يجدون في كل مرحلة من يفتح لهم الأبواب، ويستقبلهم بالترحاب..
لكن التاريخ لا يُخدع بسهولة، ولا الذاكرة الجمعية تموت كما يتوهمون.
قد يربح المتلون موقعًا جديدًا، أو رضا سلطة جديدة، أو امتيازًا عابرًا، لكنه يخسر شيئًا لا تمنحه المناصب، ولا تشتريه الأموال، ولا تصنعه المنابر... (إنه الاحترام).
فالتاريخ لا يحاسب الناس على عدد الشعارات التي رفعوها، وإنما يحاسبهم على مقدار الثبات الذي حافظوا عليه عندما كانت المبادئ مكلفة.
وستبقى الحقيقة الخالدة أن أخطر ما يصيب الأمم ليس اختلاف الآراء، وإنما رخص المبادئ؛ لأن الأمة التي يتحول فيها الولاء إلى سلعة، والموقف إلى إعلان، والكلمة إلى صفقة، لن يطول بها الزمن حتى تفقد بوصلتها الأخلاقية، وتتهاوى الثقة بين أبنائها.
أما أصحاب الضمائر الحية، فإنهم قد يخسرون موقعًا أو منصبًا أو مكسبًا عابرًا، لكنهم يربحون احترام التاريخ.
وأما أولئك الذين يتنقلون بين الشرائح السياسية بسرعة تبديل القنوات، فقد يربحون جولةً في سوق المصالح، لكنهم سيخسرون مكانهم في سجل الاحترام؛ لأن المواقف قد تُشترى، أما المصداقية فلا تُشترى، وإذا سقطت، فلن يعيدها كل ضجيج الإعلام، ولا كل تصفيق المنتفعين.
تباً لكم أيها المتلونون