في محكم التنزيل، لم يتوقف البيان الإلهي عن تحفيز المدارك الإنسانية، وتكررت التساؤلات الربانية التي تقرع جدران الغفلة: «أَفَلَا تَعْقِلُونَ»، «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ»، «أَفَلَا يُبْصِرُونَ»، و«أَفَلَا يَعْلَمُونَ». هذا التدفق القرآني المستمر ليس مجرد لفت انتباه، بل هو دعوة صريحة وحازمة لإعمال العقل في النص والدين والحياة، لاستخراج ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، فالأصل أن العقل هو كرامة الإنسان ومناط التكليف الإلهي.
انطلاقاً من هذه القاعدة الشرعية والضرورة البشرية، يبرز التساؤل الملحّ حول بعض الروايات والأحاديث المنسوبة إلى الرسول ﷺ؛ فإذا ما تمعنّا فيها بعين الفحص والمنطق، لوجدنا أن الشك يحيط بصحتها، لعلة جوهرية وهي تعارضها الصارخ مع العقل الذي كرّمه الله، وتصادمها مع المنطق السليم. والأهم من ذلك، تعارضها مع عصمة الرسول ﷺ الذي قال الله في حقه: «وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى»، ومع كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ومن أبرز النماذج التي تستدعي وقفة عقلية جادة، تلك الرواية التي وردت في بعض كتب السنة، والتي تذكر أن الرسول ﷺ قال في مرض وفاته: «آتوني بدواة أكتب لكم ما لم تضلوا بعدي أبداً»، فاعترض عمر بن الخطاب قائلًا: «يكفينا كتاب الله ما وجدنا فيه حلالاً حللناه وما وجدنا فيه حراماً حرمناه»، فغضب الرسول ﷺ وأمرهم بالخروج.
إن هذه الرواية، ورغم وجودها المدون، تظل مشكوكاً في صحتها بمجرد إخضاع سياقها لمحاكمة عقلية وتاريخية بسيطة؛ فهي تتعارض بنيوياً مع فلسفة الطاعة المطلقة التي جُبل عليها الصحابة تجاه نبيهم، وتتصادم مع أصل الرسالة ذاتها.
إن القبول بظاهر هذه الرواية يقودنا - بالضرورة والمنطق - إلى حزمة من الاستنتاجات الفظيعة التي لا يمكن لعقل مسلم أن يرتضيها:
*أولاً:*
تعني أن الرسول ﷺ لم يبلغ الرسالة كاملة في حياته (حاشاه)، وأنه أراد إكمالها وتداركها عند موته!
*ثانياً:*
تصم عمر بن الخطاب بعصيان أمر نبوي مباشر في لحظة فارقة، وهو أمر لا يستقيم مع سيرته وتفانيه.
*ثالثاً:*
تفترض تواطؤاً بين الصحابة الحاضرين مع عمر، فيما يشبه "المؤامرة" أو الانقلاب الجماعي على رغبة النبي، وهو من سابع المستحيلات تاريخياً وإيمانياً.
*رابعاً:*
توحي بأن الصحابة استخفوا بمقام النبوة عند المرض، وظنوا أنهم استغنوا عنه، وهذا مالا يصدقه عقل.
*خامساً:*
تشكك في إعلان اكتمال الدين الذي أعلنه الوحي في حجة الوداع بآية: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ».
علاوة على ذلك، فإن هذه الرواية تنسف الأحاديث الأخرى الثابتة، كقوله ﷺ: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي» (أو وسنتي في روايات أخرى)؛ فلو كان هناك شيء "آخر" حاسم سيكتبه في اللحظات الأخيرة ليحمي الأمة من الضلال، لكانت الوصية السابقة مجزوءة وغير كافية!!
إن القول بصحة هذه الرواية يحمل في طياته انتقاصاً غير مباشر من كتاب الله تعالى، واتهاماً للمرجعية القرآنية بأنها عاجزة عن حماية الأمة من الضلال بمفردها، طالما أن هناك كتاباً آخر أراد الرسول صياغته ولكن الصحابة حالوا دون ذلك.!!
وهنا نتساءل بيقين الواثق بقرآنه ونبيه: هل يعقل هذا؟!
الإجابة الحتمية هي "لا". ومن هنا تبرز قيمة إعمال العقل كفلتر شرعي لحماية الدين من الدخيل والمضطرب، وتنقية الموروث مما يخالف محكمات الكتاب وصريح العقل والمنطق.