لطالما كان الوجع العام هو البوصلة التي تحرك أقلامنا، لكن ما يعيشه جيل أبناؤنا في العقد الأخير و حتى اليوم تجاوز كل حدود المنطق والاحتمال،
وأصبح الصمت أمام هذه المعأناة ضرباً من الخذلان.
مثل كل عام مضى هاهو جيل آخر من طلاب الثانوية العامة يخوضون معركتهم الصعبة، حيث وجدوا أنفسهم مجبرين على خوض معركة أشد ضراوة من ذي قبل،
مع اختناق الأجواء، والظلام الدامس، والحرارة الحارقة التي تحول البيوت والمستقبل إلى ركام من الإحباط.
ولكنها معركة البقاء والكرامة حين تتحول منازل آلاف الأسر إلى قلاع الصمود والتضحيات..
حيث يضطر الأهالي لإطفاء كل وسائل التبريد والمراوح شحيحة الطاقة، فقط لتوفير بصيص ضوء هزيل لفلذات أكبادهم كي يراجعوا دروسهم...
هذا النور الضئيل المنبعث من عتمة المعاناة ليس مجرد وسيلة للمذاكرة، بل هو شاهد حي على جريمة إنسانية وأخلاقية ترتكبها كل الجهات المعنية دون استثناء،
حتى الساكت عن هذا الظلم و هو مسؤول فهو شيطان اخرس...
من يسكت ضد جريمة تنفذ بدم بارد ضد جيل كامل يُسلب منه أدنى مقومات الكرامة الإنسانية.
إن ما يحدث يضعنا أمام علامات استفهام كبرى لم تعد الإجابات التقليدية تقوى على تفسيرها.
نحن شهود بأعيننا تزايداً غير مسبوق في أعداد المواطنين الذين توجهوا للاعتماد على الطاقة الشمسية لحل أزماتهم ذاتياً، وهو ما يعني منطقياً تخفيف الضغط والأحمال عن الشبكة الكهربائية العمومية، وبالتالي تحسن الخدمة لمن تبقى عليها. لكن الغريب والمثير للريبة أنه كلما زادت الحلول البديلة من قبل المواطنين، تدهورت خدمة الكهرباء الحكومية وأصبحت أسوأ من ذي قبل، وكأن هناك إصراراً على إبقاء الوضع في الحضيض.
والأدهى من ذلك، أننا في العام الماضي عشنا الأزمة ذاتها خلال فصل الصيف، وحين حل الشتاء وانخفض الاستهلاك الطبيعي، بقيت المشكلة مستمرة بل وغدت أسوأ مما كانت عليه. وهنا نتساءل بمرارة: أين ذهبت أحمال الصيف؟ ولماذا لم يعوض هذا الانخفاض تحسين الخدمة في الشتاء؟
كل هذه الشواهد، وغيرها كثير و في مجالات مختلفة مثل ارتفاع الأسعار مع أزمة و إن حدثت في واقع الواق ولكن حين تنتهي لا تعود للإنخفاض مثل باقي العالم... هنالك تضييق متعمد على حياة الناس الخانقة أصلاً....
وما نتابعه بحسرة من الفضائح التي يندى لها الجبين والملفات التي تنشر وتبث يومياً وتكشف فساد و سقوط أخلاق لم نعرفها بهذه الغزارة وكأننا في زريبة حيوانات ، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن وراء الأكمة ما وراءها،
لم يعد الأمر مجرد تقصير أو سوء إدارة، بل هو استهداف ممنهج للبنى التحتية و للأخلاق و لما تبقى من حياة طبيعية محترمة
إن ما يجري ليس إلا تسريعاً مدروساً لإسقاط البلاد كلها في هاوية سحيقة لا نرى لها قعراً حيث تكون البيئة صالحة لتجارة الفاسدين و إزدهار حياتهم، في وقت لم يعد مفهوماً فيه موقف الجهات المعنية عن مسؤوليتها لا تهتم ب مستقبل الوطن يتقاذفه الفاسدون و ذهبت لأمورها الشخصية وتخلت عن المواطن الذي تتقاضى من عرقه و ثروات أرضه رواتبها الطائلة تركته في كهف الذئاب تحت سياط الذل و المهانة واللامبالاة، دون وازع من حكمة أو بصيص من إنسانية.
نبيل محمد العمودي