كتبه : عبدالباري الباركي الكلدي
في مثل هذا اليوم نستذكر الرئيس الراحل سالم ربيع علي (سالمين)، وليس الهدف من استحضار هذه الذكرى البقاء أسرى للماضي، وإنما الوقوف أمام الدروس التي تركتها تلك المرحلة، ومراجعة الأخطاء التي دفعت بلادنا ثمنها غاليًا.
ما مر به الجنوب منذ الاستقلال عن الاستعمار البريطاني وحتى اليوم يؤكد أن التعصب للأشخاص وتقديس القيادات كان من أخطر الأسباب التي عمّقت الانقسامات وأشعلت الصراعات. فعندما يتحول القائد إلى رمز لا يُنتقد، يصبح الاختلاف جريمة، وتغيب المراجعة، ويُفتح الباب أمام الكوارث.
شهدت تلك المرحلة هتافات وشعارات تمجد بعض القيادات، وكان من أشهرها: «عبدالفتاح إسماعيل دق أمريكا وإسرائيل»، و«حزبك باقي يا فتاح... حزب العامل والفلاح».
لقد عكست تلك الشعارات حالة من الحماس السياسي الشديد، لكنها كانت أيضًا تعبيرًا عن ثقافة ربط الوطن بالأشخاص، حتى أصبح انتقاد بعض القيادات أمرًا محفوفًا بالمخاطر في نظر كثيرين آنذاك.
وبعد سنوات، ومع تعاقب الأحداث الدامية التي شهدها الجنوب، من إقصاء قادة وصراعات داخلية، خرجت قراءات وتحليلات سياسية متعددة حمّلت شخصيات مختلفة مسؤولية ما جرى، ومن بينها من رأى أن لعبدالفتاح إسماعيل دورًا محوريًا في كثير من تلك الأحداث، بينما قدّم آخرون تفسيرات مختلفة. ويبقى تقييم تلك المرحلة موضوعًا تاريخيًا وسياسيًا محل نقاش.
المؤكد أن الجنوب دفع ثمنًا باهظًا من دماء أبنائه وخسارة كثير من رجاله وكفاءاته، وأن التعصب والانحياز الأعمى لأي شخص لم يقد إلا إلى مزيد من الانقسام.
وللأسف، لا يزال هذا المشهد يتكرر حتى اليوم. فما زال هناك من يرفع الأشخاص فوق النقد، ويعتبر تأييدهم واجبًا، ومعارضتهم خيانة، وكأننا لم نتعلم شيئًا من تجارب الماضي.
إن الأوطان لا تُبنى بتقديس الأفراد، وإنما ببناء المؤسسات، وسيادة القانون، واحترام الرأي الآخر، ومحاسبة الجميع دون استثناء. فالشعوب التي تتعلم من أخطائها تصنع مستقبلها، أما الشعوب التي تكرر أخطاءها فإنها تستمر في دفع الفاتورة جيلاً بعد جيل.
رحم الله الرئيس سالم ربيع وقحطان الشعبي وكل من رحل، وحفظ الجنوب من تكرار مآسي الماضي، وجعل من التاريخ درسًا يُستفاد منه، لا مأساةً تُعاد من جديد.