آخر تحديث :الجمعة-31 يوليو 2026-12:37ص

حين يصبح البيت قبرا .. قراءة في تصريح محافظ حضرموت عن استشهاد الصحفي محمد عيضة

الخميس - 25 يونيو 2026 - الساعة 10:48 م
ناصر العامري


في زمن الحرب تصبح الكلمات الرسمية أثقل من الرصاص حين تأتي متأخرة هذا ما كشفه التصريح الذي أدلى به محافظ حضرموت عقب استشهاد الصحفي محمد عيضة مراسل قناتي العربية والحدث بعبوة ناسفة استهدفت سيارته في المكلا تصريح لم يجب عن الأسئلة بل فجر المزيد منها


قال المحافظ إن الصحفي الراحل تواصل معه قبل الحادثة وأبلغه أنه يتعرض لتهديد من قيادات حوثية وإنه شخصيا نصحه ألا يغادر بيته كإجراء احترازي


للوهلة الأولى يبدو التصريح تعاطفا رسميا مع صحفي دفع حياته ثمنا لنقل الحقيقة لكن التمعن فيه يكشف ثلاثة إشكالات كبرى


إذا كان رأس السلطة المحلية في حضرموت على علم مسبق بوجود تهديد موثق المصدر قيادات حوثية ضد صحفي معروف فالسؤال البديهي أين كانت الأجهزة الأمنية لماذا لم يفتح ملف تحقيق فوري لماذا لم توفر الحماية النصيحة بعدم مغادرة البيت لا تعد خطة أمنية بل اعترافا بالعجز


التصريح جاء بعد أن تحولت العبوة التي زرعت تحت مقعد السيارة إلى واقع وبعد أن تحول الصحفي إلى خبر عاجل لو كان التهديد جديا إلى درجة إبلاغ المحافظ فلماذا بقي طي الكتمان حتى استشهد صاحبه الصمت الرسمي المسبق يفقد التصريح اللاحق قيمته ويحوله من موقف مسؤول إلى تبرير متأخر


المكلا ليست خط تماس هي عاصمة حضرموت وتقدم كنموذج نسبي للاستقرار وصول عبوة ناسفة إلى سيارة صحفي بارز فيها يعني أن هناك اختراقا أمنيا عميقا وأن يد التهديد قادرة على التنفيذ لا على الوعيد فقط هنا يتقاطع تصريح المحافظ مع تصريحه الآخر الأشهر لن نقبل بأي تشكيلات مسلحة خارج مؤسسات الدولة فكيف لدولة ترفض التشكيلات الموازية أن تعجز عن حماية صحفي من تهديد معلن


محمد عيضة لم يكن رقما في كشف الضحايا كان صوتا ميدانيا ينقل ما يجري في حضرموت والساحل للعالم اغتياله بعبوة لاصقة تحت المقعد حسب كشف الأمن لاحقا يحمل رسالتين الأولى للصحفيين أن صوتكم مستهدف والثانية للدولة أن سيادتكم مخترقة


والأخطر أن الجناة ما زالوا طلقاء لم تعلن الأجهزة الأمنية حتى اللحظة القبض على من زرع العبوة أو من يقف خلفه رغم أن جهة التهديد حددت في التصريح الرسمي بأنها قيادات حوثية


تصريح المحافظ بدل أن يغلق الملف فتحه على مصراعيه


هل تم تحويل بلاغ الصحفي إلى الأجهزة الأمنية كبلاغ رسمي أم بقي في إطار المكالمة الشخصية إذا كانت التهديدات الحوثية تصل إلى المكلا وتنفذ فيها فما هي خطة المحافظة لحماية بقية الإعلاميين والناشطين أين المحاسبة عندما يتحول التحذير إلى لا تطلع من البيت ثم يتحول البيت إلى قبر من يتحمل المسؤولية

استشهاد محمد عيضة ليس حادثا معزولا هو حلقة في مسلسل استهداف الصحافة اليمنية لكن الجديد هذه المرة هو الاعتراف الرسمي بوجود تهديد مسبق والعجز الرسمي عن منعه

حين تكون نصيحة أعلى سلطة في المحافظة للصحفي المهدد هي الزم بيتك فهذا يعني أن الدولة نفسها تعترف بأنها لا تستطيع حمايته في الشارع وحين يتحول البيت من ملاذ إلى هدف نكون أمام إعلان صريح الموت هنا لا يحتاج إذنا بالدخول

رحم الله محمد عيضة كان يغطي الأخبار فصار هو الخبر والسؤال الذي تركه وراءه أكبر من عبوة ناسفة من يحمي الحقيقة إذا كان حراسها ينصحونها بالاختباء