سؤال خطر على بالي وأنا أفكر بتجرد، وأتمنى أن يسأل كل واحد منا نفسه هذا السؤال، ألا وهو:
لو انكسرت نافذة في بيتك، هل ستقوم بهدم البيت كله؟
بالطبع لا.
جواب العقل يقول أنك ستصلح النافذة، وتبقي على البيت الذي يجمعك بأهلك وأحبابك.
وفي حياتنا اليومية نفهم هذه الفكرة جيداً.
فإذا أخطأ طبيب، لا نفقد ثقتنا بالطب كله.
وإذا تعثر معلم، لا نفقد إيماننا بقيمة التعليم.
وإذا أساء شخص التصرف، فإننا نحمله مسؤولية خطئه، لا مسؤولية كل من حوله.
لأننا ندرك ببساطة أن الخطأ يُنسب إلى صاحبه.
لكن الغريب أن هذه القاعدة الواضحة تغيب أحياناً عندما نتحدث عن القضايا العامة والوطنية.
فقد يخطئ شخص، أو يسيء آخر التصرف، أو يتخذ مسؤول قراراً غير موفق، فنجد من يخلط بين خطأ الفرد والقضية كلها، وكأن الأوطان والمبادئ تُقاس بالأشخاص لا بالقيم التي قامت عليها؛ وهكذا يبدو وكأننا قررنا هدم البيت بأكمله لمجرد أن نافذة واحدة انكسرت!!!
وهنا يضيع مبدأ مهم اسمه الإنصاف.
يا أحبتي...
الأشخاص يخطئون ويصيبون، وهذه طبيعة البشر، لا يوجد إنسان معصوم.
أما القضايا الوطنية الكبرى: الأوطان، والمبادى، والحقوق، فهي أكبر من الأشخاص جميعاً، وأبقى منهم. لا تبدأ بشخص، ولا تنتهي عند شخص، ولا ينبغي أن ترتفع بارتفاعه أو تسقط بسقوطه.
ولهذا، من وجهة نظري، فإن العدالة الحقيقية تقتضي أمرين معاً:
- أن نحاسب المخطئ على خطئه دون تردد.
- وأن نحافظ في الوقت نفسه على قدرتنا على التمييز بين أخطاء الأفراد وعدالة القضايا.
فليس من الحكمة أن نهدم فكرة كاملة بسبب تصرف فرد، ولا أن نحاكم قضية بأكملها أو وطن بسبب شخص أخطأ أو أساء التقدير.
لقد رحل عبر التاريخ أشخاص كثيرون، وبقيت الأوطان.
واختفت أسماء وجماعات، وبقيت القضايا التي آمنت بها الشعوب وتمسكت بها الأجيال.
لذلك نحن بحاجة دائماً إلى شيء من الهدوء قبل إصدار الأحكام، وشيء من الإنصاف قبل التعميم.
- يمكننا أن نرفض الخطأ بوضوح.
- وأن نطالب بالمحاسبة.
- وأن نقف مع الحق والعدل.
لكن دون أن نحول أخطاء الأشخاص إلى سبب للطعن في كل ما هو أكبر منهم.
فالأشخاص عابرون...
أما الأوطان والقضايا الكبرى فتبقى.