آخر تحديث :الخميس-25 يونيو 2026-09:06م

لغة العقل والتقارب.. المخرج الوحيد من المعادلة الصفرية

الخميس - 25 يونيو 2026 - الساعة 06:16 م
خضر الميسري


نقف اليوم أمام منعطف تاريخي حاسم يفرض على الجميع مكاشفة ومصارحة شجاعة مع الذات. إننا نحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى صياغة خطاب داخلي واعٍ؛ خطاب يرشد العقول، ويسدد الخطى، ويقارب بين المواقف، مترفعاً عن الصغائر ومقدماً مصلحة الأمة فوق كل اعتبار فئوي ضيق.


إن من يعتقد أن العنجَهية وتصفية الحسابات السياسية يمكن أن تصنع "نصراً أبدياً"، فهو غارق في الوهم، وقد سقط سقوطاً مروعاً في اختبار الوعي والمسؤولية الوطنية قبل أن يبدأ. فالمعترك الداخلي لا ينتصر فيه أخ على أخيه؛ وفي هذا النوع من الصراعات الذاتية، يبدو المشهد عبثياً بامتياز: "المنتصر مهزوم" لأن كسر الشريك هو كسر للوطن، و"المهزوم حاقد وعائد" ينتظر لحظة الرد، وهكذا تدور بنا الأيام في حلقة مفرغة من الاستنزاف والضياع.


إن ما نقصنا في المراحل السابقة من حكمة وبصيرة، يجب أن نكمله الآن وفوراً، عبر الانحياز الكامل لخطاب العقلانية والتقارب واللقاء المشترك، لكي نقف جميعاً على مسافة واحدة، تضمن مصلحة الوطن العليا وتحمي مستقبل أجيالنا.


وهم الغلبة المؤقتة

هذا الخطاب العقلاني لن يتحول إلى واقع معاش، ولن يثمر استقراراً حقياً، إلا إذا غادرت النخب السياسية "مربعات التمترس خلف المظلوميات" أو "الانتشاء بنشوة الغلبة المؤقتة". إن الاستقواء باللحظة العابرة عقم سياسي وقصر نظر اجتماعي فادح؛ فالتاريخ لا يحتفظ بجغرافيا ثابتة للقوة، والأيام دول.


من كان في موقع القدرة اليوم قد يجد نفسه في موقع الانكسار غداً، والعكس صحيح. ولذلك، فإن الحكمة تقتضي أن تُبنى "جسور التلاقي" في قمة القدرة والمسؤولية، لا أن ننتظر حتى تفرضها الظروف في لحظات الضعف والتراجع.


إن المعضلة الحقيقية التي تواجه مجتمعنا اليوم ليست في تنوع الرؤى أو تعدد المشارب، بل في "شيطنة الخلاف" وتحويل التنافس السياسي المشروع إلى خصومة وجودية تسعى لإلغاء الآخر واجتثاثه. لقد جربنا في المراحل السابقة كل خيارات الإقصاء والتهميش، ولم نصدّر منها إلا وطناً منهكاً، نسيجاً اجتماعياً ممزقاً، وقراراً سيادياً مرتهناً. لقد حان الوقت لندرك جميعاً أن قوة أي طرف منا لا تكتمل بضعف الطرف الآخر، بل بوجوده كشريك حقي يصحح المسار ويسند المسيرة.


ثلاثية الإنقاذ الوطني

بناءً على هذا التشخيص، يتطلب منا هذا المنعطف التاريخي إعادة صياغة الوعي الجمعي، والاتفاق على أولويات جديدة ترتكز على ثلاثة مسارات أساسية:

أولاً: تسامي الجراح الارتفاع فوق مرارات الماضي الصعبة، وتصفية القلوب قبل تصفية الحسابات، لفتح صفحة جديدة تليق بتطلعات الشعب.

ثانياً: شجاعة الاعتراف البدء بمقاربة شجاعة تعترف بالخطأ أينما وُجد، فالإصرار على الخطأ والمكابرة فيه هو خيانة صريحة للمستقبل.

ثالثاً: السيادة المطلقة للوطن أن تصبح "مصلحة الوطن العليا" هي البوصلة الوحيدة والنهائية التي توجّه بوادر اللقاء، بحيث لا يشعر أي طرف بأنه مغبون أو مهمش.


نحو عقد اجتماعي جديد

ختاماً، يجب التأكيد على أن الساحة الوطنية اليوم لا تبحث عن تسويات هشة، أو توافقات مؤقتة تُصنع في الغرف المغلقة لتوزيع المغانم والمحاصصة السياسية؛ بل نتطلع بكل ثبات إلى "عقد اجتماعي وسياسي عميق" يرسخ قيم العدالة والمواطنة المتساوية، ويجعل الجميع يقفون على مسافة واحدة.


لنتقدم معاً، مدفوعين بنضج التجربة ومرارة الدروس السابقة، نحو أفق يتسع للجميع. فلا نصر حقيق إلا بنصر الوطن، ولا هزيمة أنكأ من خسارة الذات في معارك الأخوة.