آخر تحديث :الجمعة-24 يوليو 2026-12:10ص

قراءة في "نكف" بن فدغم وروح الشورى في نبأ ملكة سبأ

الخميس - 25 يونيو 2026 - الساعة 11:07 ص
د. مرسي أحمد عبدالله


يكتب التاريخ اليمني فصوله بمدادٍ من المواقف العتيدة، وحين تضيق الجغرافيا بأهلها تحت وطأة القهر والترهيب، تنهض الأعراف والرموز التاريخية لتصنع من المظلمة الفردية قضية أمة بأكملها. ما شهدته رمال "الريان" مؤخراً من إجهاشة صادقة للشيخ حمد بن فدغم الحزمي، وكسره لجفل جنبيته معلناً "النكف القبلي" العام هو زلزال قيمي أعاد إلى الأذهان فلسفة الحكم والكرامة والشورى الضاربة في عمق الهوية اليمنية، والتي خلّدها القرآن الكريم في قصة الملكة بلقيس (ملكة سبأ).

إن المتأمل في تداعي قبائل دهم وبكيل وحاشد ومذحج وسائر أحرار اليمن لنصرة الشيخ ابن فدغم، يجد خيوطاً رابطة وجينات ثقافية وتاريخية مشتركة تجمع بين هذا الموقف الراهن والنسق القرآني المفصل في سورة النمل.

أولاً: من "شورى الملأ" إلى "نكف القبيلة"

حين واجهت الملكة بلقيس لغة التهديد والإكراه، لم تنفرد بالقرار ولم تستبد برأيها، بل لجأت فوراً إلى أعيان قومها وقادة قبائلها قائلة: **يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ** [سورة النمل: 32].

وفي المقابل، حين تعرض الشيخ حمد بن فدغم للتعذيب والضغوط والترهيب داخل السجون لفرض شهادات زور بقوة السلاح، رفض الخنوع الفردي وسياسة الأمر الواقع. وبمجرد وصوله إلى مناطق الأحرار، عمد إلى العُرف اليماني الأسمى؛ كسر جفل جنبيته مستفتياً ومستنهضاً "الملأ اليمني" بمختلف قبايله، ليتحول القرار من همٍّ شخصي إلى مسؤولية جماعية تقع على عاتق كل حر.

ثانياً: تجسيد "أولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ"

في الخطاب القرآني، جاء رد قادة القبائل والملأ السبئي على ملكتهم بليغاً ومفعماً بالثقة والجاهزية: نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ [سورة النمل: 33]. هذا البأس الشديد لم يكن بغياً، بل كان درعاً لحماية السيادة والعرض والكرامة.

هذا النص القرآني تجسد واقعاً حياً على رمال محافظة الجوف اليوم؛ فحين انطلقت صرخة ابن فدغم، تلاشت الخلافات والحسابات الضيقة، وتوافدت القبائل برجالها وأسلحتها، مبرهنة على أن ذلك "البأس الشديد" لا يزال غريزة يمنية حية تثور فور استنفار عُرف النخوة وحماية الجار والربيعة.

ثالثاً: صرخة ضد إفساد الملوك وطغيان الميليشيا

لقد لخصت الملكة بلقيس بدقة متناهية طبيعة القوى الغاشمة الاستعلائية حين قالت: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ [سورة النمل: 34].

وهذا الإفساد الممنهج ومحاولة تحويل "أعزة اليمن" إلى "أذلة" عبر التنكيل والتعذيب وتطويع أعناق الرجال هما ذات المشروع الذي انتفض ضده الشيخ حمد بن فدغم. خروجه وهجرته لبيته وماله وحلاله كانا رفضاً مطلقاً لأن يُسلب العزة والكرامة، وصرخة مدوية تكشف زيف سلطة باطلة تعبث بنسيج المجتمع وتستبيح الحقوق والأعراض.

خاتمة:

إن التاريخ لا يعيد نفسه فحسب، بل يؤكد أن الوعي اليمني الجمعي يمتلك مرجعية أخلاقية لا تقبل الانكسار. تفصل بين بلقيس وحمد بن فدغم آلاف السنين، لكن "الجين الثقافي" واحد؛ فالقبيلة اليمنية في مخيالها التاريخي، والقرآني، والواقعي، ليست أداة للبطش، بل هي كيان ضامن للعدالة، يرفض الضيم، ويتحرك بروح "الملأ والنكف" ليقول للطغيان: إن الأعراض والكرامة خطوط حمراء يصغر أمامها كل ترهيب. ومن رمال الريان، يكتب اليمنيون اليوم حلف فضولٍ جديد يحيي ما كاد أن يموت من قيم النخوة والعدل.