آخر تحديث :الجمعة-14 أغسطس 2026-09:18م

نختلف بعقولنا... لا بقلوبنا!

الأربعاء - 24 يونيو 2026 - الساعة 03:11 م
د. سمير أحمد بوست


تخيل لو أن كل من حولك يفكر بالطريقة نفسها التي تفكر بها، ويوافقك الرأي في كل صغيرة وكبيرة.


في البداية، قد يبدو الأمر مريحاً جداً، لكنك بعد فترة قصيرة ستشعر بالملل، وكأنك ترى نفسك في مرايا متعددة؛ ترى فيها صورتك فقط، ولا ترى شيئاً جديداً. لا فكرة تُدهشك، ولا زاوية أخرى تفتح عينيك على ما لم تنتبه إليه.


لو تفكرنا وتأملنا الحياة من حولنا، لوجدنا أننا نتقبل التنوع في كل تفاصيلها؛ نستمتع باختلاف فصول السنة، وتعدد الألوان، وتنوع الأذواق. لكننا، وبطريقة غريبة، يضيق حالنا حين يختلف معنا أحدهم في الرأي.


فجأة يتحول النقاش إلى ساحة معركة، ويتحول الصديق إلى خصم، لمجرد أنه نظر إلى المشهد ذاته من نافذة أخرى.


وهنا تكمن القضية الحقيقية:

المشكلة لم تكن يوماً في وجود الاختلاف، بل في الطريقة التي نديره بها. المشكلة أن نتصرف أحياناً وكأن الاختلاف خطأ يجب إصلاحه، أو معركة يجب كسبها.


فنخسر في لحظة غضب ما بنيناه خلال سنوات من الود والاحترام، ونسمح لرأي عابر أن يهدم جسوراً كان يمكن أن تبقى ممتدة بيننا.


كثير من العلاقات الجميلة لم تنتهِ بسبب الاختلاف نفسه، بل لأن أحد الأطراف أراد أن ينتصر لرأيه أكثر مما أراد أن يحافظ على العلاقة. وكم من صديق ابتعد بسبب نقاش كان يمكن أن ينتهي بابتسامة لو حضر قليل من الاستماع وكثير من الاحترام.


وكثير من القضايا الكبيرة تاهت، ليس لغياب الحلول، بل لغياب مساحة كافية للحوار والإصغاء.


لقد أتعبتنا كثيراً فكرة: "إما معي أو ضدي"، أو كما يقال أحياناً: "إن لم تكن معي فأنت ضدي".


بينما الحياة أكثر رحابة واتساع من ذلك بكثير.


فالناس ليسوا فريقين فقط، والحقائق ليست دائماً أبيض أو أسود، وكثير من الأمور يمكن النظر إليها من أكثر من زاوية.


ومن أجمل ما تعلمناه من الحياة أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يقتنع بكل ما يسمعه، لكنه يحتاج إلى أن يحترم حق الآخرين في أن يروا الأمور بصورة مختلفة. وربما يبدأ ذلك حين نستوعب حقائق بسيطة:

- أن من يختلف معك فكرياً ليس بالضرورة عدوك.

- وأن احترام رأي الآخرين لا يعني التنازل عن قناعاتك.

- وأنك لست مضطراً لهدم الجسر الذي يربطك بالناس، لمجرد أنهم يقفون على الضفة الأخرى من الفكرة.


وبشكل عام، فإن الأوطان والمجتمعات وحتى البيوت لا تُبنى بنسخ متشابهة تردد الصوت نفسه، بل تنهض بتنوع العقول التي تتكامل، والقلوب التي تتسع للجميع، والأدوار التي يتنوع القائمون بها لتنوعها.


بل إن كثيراً من الأفكار الناضجة وُلدت من نقاشات هادئة، وكثيراً من النجاحات تحققت لأن أشخاصاً مختلفين استطاعوا العمل معاً رغم تباين آرائهم.


فلا بأس أن نختلف، بل من الطبيعي ومن حقنا أن نختلف.


وربما نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن نتذكر حقيقة بسيطة:

ليس ضرورياً أن نتشابه لكي نبقى معاً.


لكن دعونا نجعل اختلافنا بحثاً عن الأفضل، لا بحثاً عن الانتصار.


فالحياة تتسع لكل الآراء، لكنها تضيق جداً حين يغيب عنها الاحترام.


دعونا نختلف بعقولنا... لا بقلوبنا.