كتبه :عبدالباري الباركي الكلدي
من يتأمل تاريخ الجنوب في العقود الماضية يلاحظ حقيقة لا يمكن إنكارها، وهي أن العديد من المشاريع الخدمية والتنموية التي أُنشئت خلال عهد جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ما زالت قائمة حتى اليوم وتؤدي دورها في خدمة المواطنين، رغم مرور عشرات السنين على بنائها.
لقد شهد الجنوب في تلك المرحلة تنفيذ مشاريع كبيرة في مجالات التعليم والصحة والإسكان والكهرباء والمياه والطرق، وكان لدول الخليج العربي، وفي مقدمتها الكويت، دور بارز في تمويل العديد من هذه المشاريع. وكانت تلك الأعمال تُقدَّم كدعم تنموي وإنساني ساهم في تحسين حياة الناس وترك آثاراً ملموسة ما زالت شاهدة حتى اليوم.
لكن السؤال الذي يطرحه المواطن الجنوبي اليوم بمرارة: أين ذهب ذلك العمل الخيري والتنموي؟
فمنذ حرب صيف 1994 وما ترتب عليها من تغييرات سياسية عميقة، دخل الجنوب مرحلة طويلة من التراجع الخدمي والاقتصادي. تدهورت مؤسسات الدولة، وتراجعت الخدمات الأساسية، واتسعت دائرة الفقر والبطالة، بينما ظلت البنية التحتية التي أُنشئت قبل عقود تتآكل عاماً بعد عام دون إحلال أو تطوير حقيقي.
ثم جاءت حرب 2015 وما خلفته من دمار ومعاناة، ودخل التحالف العربي على خط الأحداث تحت شعارات الدعم والمساندة واستعادة الاستقرار. واليوم، وبعد أكثر من عشر سنوات على تحرير معظم مناطق الجنوب من سيطرة الحوثيين، لا يزال المواطن يتساءل: أين هي المشاريع الاستراتيجية التي يشعر بها الناس في حياتهم اليومية؟
فالكهرباء لا تزال أزمة مزمنة، والمياه تعاني من اختلالات كبيرة، والخدمات الصحية والتعليمية تواجه صعوبات متراكمة، بينما يعيش المواطن تحت ضغوط اقتصادية ومعيشية قاسية. وفي عدن، العاصمة المؤقتة، يعاني الناس من انقطاعات الكهرباء وارتفاع درجات الحرارة بصورة مؤلمة، حتى باتت المعاناة جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية.
إن الحديث هنا ليس من باب الجحود أو إنكار ما قُدم من مساعدات وإغاثات إنسانية خلال السنوات الماضية، بل من باب التساؤل المشروع عن غياب المشاريع التنموية المستدامة التي تترك أثراً حقيقياً في حياة الناس كما حدث في مراحل سابقة.
فالعمل الخيري الحقيقي لا يقاس فقط بعدد السلال الغذائية أو المساعدات المؤقتة، بل يقاس أيضاً بإنشاء المدارس والمستشفيات ومحطات الكهرباء وشبكات المياه والمشاريع التي تخلق فرص العمل وتمنح الإنسان حياة كريمة.
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الجميع: ما هو المعيار الذي تُوزَّع على أساسه المشاريع الإنسانية والتنموية؟ وهل أصبحت المصالح السياسية تتقدم على احتياجات الشعوب ومعاناتها؟ أم أن المواطن الجنوبي لم يعد ضمن أولويات الجهات القادرة على المساعدة؟
أسئلة يرددها الناس كل يوم، وهم ينتظرون أن تتحول الوعود والشعارات إلى مشاريع حقيقية تخفف عنهم أعباء الحياة وتعيد إليهم شيئاً من الأمل بمستقبل أفضل.