آخر تحديث :الأربعاء-15 يوليو 2026-08:17ص

إنذار من شبوة: عصابات الأودية والمدن في السعودية تبدأ من هنا

الأربعاء - 24 يونيو 2026 - الساعة 10:13 ص
محمد علي رشيد النعماني



كيف يتحول المتسللون " القادمون من سواحل بحر العرب" إلى عصابات مسلحة تروع الآمنين في عسير والعاصمة الرياض؟ رسالة عاجلة إلى القيادة السعودية.

تحت شمس لاهبة وفي تضاريس قاسية لا ترحم، يمتد مشهد سريالي على طول الطريق الساحلي والداخلي في محافظة شبوة. خلال زيارتي الأخيرة للمحافظة، وتحديداً في مديرية ميفعة، استوقفني طابور طويل لا يكاد ينتهي من البشر؛ مئات من الشبان الإثيوبيين يمشون على أقدامهم بخطى حثيثة وصمت مطبق. لم يكن هذا المشهد طارئاً أو وليد اللحظة، بل هو واقع يومي مستمر منذ سنوات، يبدأ من شواطئ "بئر علي" المفتوحة على بحر العرب، ولا ينتهي إلا عند السياج الحدودي للمملكة العربية السعودية.

عندما وجهت سؤالي لسكان المنطقة حول الوجهة النهائية لهذه الأمواج البشرية التي تلفظها قوارب التهريب يومياً، كانت الإجابة موحدة وبديهية لديهم: "إنهم يتجهون نحو الشمال اليمني، ومن هناك إلى الحدود السعودية". هذه الإجابة العفوية من مواطن بسيط في شبوة تختزل في طياتها أزمة أمنية وجيوسياسية عميقة، وتضعنا أمام ظاهرة لم تعد تندرج تحت لافتة "الهجرة غير الشرعية" بحثاً عن الرزق، بل تحولت إلى جيش من "قوافل الظل" التي تهدد السلم الأهلي والأمن القومي لليمن والمملكة على حد سواء.

ولعل من يتابع التقارير الميدانية والمقاطع الموثقة من داخل العمق السعودي، يدرك تماماً أن ما نتحدث عنه هنا في سواحل شبوة هو نقطة البداية لكارثة أمنية هناك. فالقادمين عبر هذه السواحل هم ذاتهم الذين شكلوا بؤراً إجرامية وعصابات مسلحة في الداخل السعودي. ففي أودية "تندحة" بمنطقة عسير، وثقت الكاميرات وشهادات المواطنين المصورة والمنتشرة على وسائل الإعلام المختلفة كيف تحولت هذه العمالة المتسللة إلى شبه ميليشيات تحتل الجبال، تروع الآمنين بأسلحة رشاشة، وتجرؤ على إطلاق النار المباشر على المواطنين في أملاكهم، بل وتوجه تهديدات علنية بالقتل، في مشهد يعكس استقواءً خطيراً وتمرداً صارخاً على سلطة القانون.

ولا يقف الخطر عند التخوم الجنوبية للمملكة، بل يتمدد ليصل إلى قلب العاصمة الرياض. التقارير الميدانية والكمائن الأمنية في أحياء مثل "منفوحة" وحي الدخل المحدود، كشفت عن تحول هؤلاء المتسللين إلى شبكات مافيا منظمة لترويج وتصنيع الخمور في الأودية المجاورة للأحياء السكنية. هذه العصابات لم تكتفِ بتجاوز الأنظمة، بل باتت تقسم أحياء العاصمة إلى "مناطق نفوذ" تتنازع عليها، ولا تتورع عن استخدام السلاح الأبيض والناري والمقاومة الشرسة لرجال الأمن وهيئة الأمر بالمعروف، بل ومقايضة الممنوعات بالأسلحة النارية، في استنساخ لأساليب عصابات الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

الأكثر مرارة في هذا المشهد، هو ما تكشفه التحقيقات من أن الإجراءات الروتينية للترحيل لم تعد رادعة؛ فالكثير من هؤلاء المتسللين يعتبرون الإبعاد مجرد "إجازة مدفوعة الثمن"، لعلمهم اليقيني بأن طريق العودة ممهد ومفتوح. وهذا الطريق المفتوح ليس سوى تلك الشواطئ الممتدة في شبوة وأبين، حيث يجدون دلالين ومهربين يسهلون لهم رحلة العودة عبر اليمن وصولاً إلى جازان وغيرها من النقاط الحدودية.

من هنا، ومن منطلق المصلحة الاستراتيجية المشتركة، تبرز الحاجة الماسة لتوجيه رسالة صريحة إلى صانع القرار في الرياض. إن المملكة العربية السعودية، بصفتها قائدة التحالف العربي والداعم الأول للحكومة الشرعية والمتحكمة في المشهد الأمني للمناطق المحررة، مدعوة لإعادة النظر في استراتيجية التعامل مع هذا الملف. لا يمكن تحقيق أمن مستدام للحدود السعودية وإيقاف نزيف الجريمة المنظمة في تندحة والرياض، طالما ظلت سواحل بحر العرب أبواباً مشرعة تستقبل الآلاف يومياً.

إن معالجة هذه الأزمة تتطلب تحركاً استباقياً يضرب جذور المشكلة في مهدها. يتطلب الأمر خطة أمنية مشتركة بين قيادة التحالف العربي والسلطات المحلية في المحافظات الجنوبية، لرفع كفاءة قوات خفر السواحل اليمنية، وتزويدها بالتقنيات والزوارق اللازمة لفرض طوق بحري صارم يجفف منابع التهريب، إضافة إلى تفكيك شبكات المهربين المحليين. إن أمن الخليج واليمن هو مساحة مشتركة لا تقبل التجزئة، وإغلاق بوابات التسلل في شبوة اليوم، هو الدرع الواقي الذي سيحمي مدن وأودية المملكة من عصابات الجريمة غداً.


بقلم / محمد علي رشيد النعماني .