آخر تحديث :الثلاثاء-23 يونيو 2026-09:25م

سبت الانتقالي.. بين ذروة التعبئة وبداية الانحسار

الثلاثاء - 23 يونيو 2026 - الساعة 07:37 م
عمر الحار


لا تبدو الفعاليات الجماهيرية، مهما بلغ حجمها أو ضجيجها السياسي، قادرة على تغيير المسارات التي تصنعها الوقائع على الأرض وموازين القوى الإقليمية والدولية. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة ما اطلقت عليه بـ"سبت الانتقالي" باعتباره حدثاً سياسياً يكشف حجم الأزمة التي يواجهها المجلس الانتقالي الجنوبي أكثر مما يعكس حجم القوة التي يمتلكها.

فمنذ نشأته اختار الانتقالي أن يقدم نفسه بوصفه الممثل الحصري للجنوب، مستنداً إلى خطاب تعبوي حاد يقوم على إقصاء الخصوم أكثر من بناء الشراكات. وقد وفر له هذا النهج حضوراً سياسياً وعسكرياً في مرحلة معينة، لكنه في المقابل راكم حوله شبكة واسعة من الخصومات والتوجسات، سواء داخل الجنوب نفسه أو في محيطه الإقليمي.

والمشكلة الجوهرية التي تواجه الانتقالي اليوم لا تكمن في تراجع الدعم أو تبدل المواقف الدولية فحسب، وإنما في الفرضية التي بنى عليها مشروعه السياسي منذ البداية؛ وهي افتراض أن الجنوب يمكن اختزاله في مكون واحد أو تيار واحد أو قيادة واحدة. غير أن الواقع الجنوبي، تاريخياً واجتماعياً وسياسياً، أكثر تنوعاً وتعقيداً من أن يحتكره طرف بعينه أو يدعي الحديث باسمه بصورة مطلقة.

لقد أظهرت التطورات الأخيرة، وفي مقدمتها الجدل الواسع المرتبط بحضرموت، حدود القدرة على فرض معادلات سياسية أحادية. فالمجتمعات المحلية الجنوبية باتت أكثر تمسكاً بخصوصياتها السياسية والاجتماعية، وأكثر حساسية تجاه أي محاولة للوصاية أو الاحتكار، الأمر الذي جعل خطاب التفرد يواجه تحديات متزايدة من داخل البيئة الجنوبية نفسها.

كما أن التحولات الإقليمية الراهنة تفرض مقاربات مختلفة عن تلك التي سادت في سنوات الصراع الأولى. فالدول الفاعلة في الملف اليمني أصبحت تنظر إلى الاستقرار والشراكة والتوازن بوصفها أولويات تتقدم على مشاريع الاستقطاب الحاد، وهو ما يفسر تنامي الدعوات إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني على أسس أكثر شمولاً واتساعاً.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى "سبت الانتقالي" ليس باعتباره محطة صعود جديدة، بل بوصفه مؤشراً على وصول المشروع إلى سقفه السياسي الأعلى. فعندما تتحول الحشود إلى وسيلة لتعويض تراجع القدرة على بناء التوافقات، فإن ذلك يعكس أزمة في الرؤية أكثر مما يعكس وفرة في القوة.

إن القضية الحقيقية اليوم ليست بقاء الانتقالي أو غيابه من المشهد، فذلك شأن تحدده الوقائع السياسية المقبلة، وإنما تتعلق بضرورة إنهاء فكرة الاحتكار السياسي للجنوب، وفتح المجال أمام تمثيل أوسع للقوى والمكونات والشخصيات الوطنية التي ظلت خارج دائرة التأثير بفعل هيمنة خطاب الإقصاء.

ومن هنا قد تقرأ  رسالة"سبت الانتقالي" على اعتبارها بداية مرحلة جديدة عنوانها ضرورة إعادة التوازن إلى الساحة الجنوبية، وكسر فكرة التمثيل الحصري، والانتقال نحو معادلة أكثر اتساعاً تسمح للجميع بالمشاركة في صياغة حاضر و مستقبل اليمن شماله وجنوبه بعيداً عن منطق التفرد والاستحواذ.