آخر تحديث :الثلاثاء-23 يونيو 2026-09:25م

مصر “هبة النيل” في وجدان اليمنيين

الثلاثاء - 23 يونيو 2026 - الساعة 03:48 م
ناصر علي الحربي


حين يُذكر اسم مصر، لا يُستحضر بلدٌ عريق فحسب، بل تُستحضر حضارة ممتدة عبر آلاف السنين، صنعت تاريخًا إنسانيًا زاخرًا بالعلم والإبداع، وأسهمت في بناء الوعي والثقافة العربية والإسلامية. فمصر، “هبة النيل”، كانت وما تزال إحدى أعظم الحواضر الإنسانية، وموطنًا لشعبٍ أصيل استطاع أن يحافظ على هويته ومكانته رغم تعاقب الأزمنة وتبدل الأحوال.


مصر.. منارة الحضارة والعلم

لقد كانت مصر على مر العصور منارةً للعلم والمعرفة، وملتقى للحضارات والثقافات، وشكلت مركزًا فكريًا وثقافيًا وحضاريًا مؤثرًا في محيطها العربي والإسلامي. ومن أرضها انطلقت رسالات العلم والوسطية، واحتضنت جامعاتها ومعاهدها، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، طلاب العلم من مختلف الأقطار العربية والإسلامية. كما كان لأبنائها إسهامات رائدة في مجالات الفكر والأدب والفن والسياسة والاقتصاد.


الشعب المصري.. الوجه الأجمل لمصر

وإذا كان التاريخ المصري العريق يمثل وجهًا من وجوه عظمة هذا البلد، فإن الشعب المصري يمثل وجهه الأجمل. فهو شعب عُرف بطيبته الفطرية وكرمه الأصيل وروحه المرحة وحبه للحياة، كما اشتهر بالتسامح والتعايش وقبول الآخر.

وقد ظلت مصر عبر تاريخها أرضًا مفتوحة للوافدين، لا تفرق بين الناس على أساس العرق أو اللون أو المذهب، بل كانت تحتضن الجميع بروح الأخوة والإنسانية.


روابط تاريخية بين اليمن ومصر

ولعل من أجمل ما يميز المصريين قدرتهم على بناء جسور المحبة مع الشعوب الأخرى، وخاصة الشعوب العربية التي تجمعهم بها روابط الدين واللغة والتاريخ والمصير المشترك. ومن بين هذه الشعوب، يحتل الشعب اليمني مكانة خاصة في وجدان المصريين، كما يحتل الشعب المصري مكانة راسخة في قلوب اليمنيين.

فالعلاقة بين اليمن ومصر ليست وليدة اليوم، بل تمتد جذورها إلى أعماق التاريخ. فقد عرف اليمنيون والمصريون بعضهم بعضًا منذ القدم، وتلاقت حضارتا وادي النيل وجنوب الجزيرة العربية عبر التجارة والهجرات والتبادل الثقافي.

ومع بزوغ فجر الإسلام، ازدادت أواصر الأخوة بين الشعبين، وتوثقت الروابط الدينية والثقافية والحضارية.


مواقف أخوية خالدة

في العصر الحديث تجلت هذه العلاقة الأخوية في أبهى صورها، حيث وقفت مصر إلى جانب اليمن في محطات تاريخية عديدة، وأسهمت في دعم الجمهورية اليمنية والحفاظ على وحدتها واستقرارها، وقدمت تضحيات جسامًا امتزجت فيها دماء المصريين واليمنيين دفاعًا عن المبادئ والقيم المشتركة.

كما احتضنت مصر على مدى عقود آلاف اليمنيين الذين قصدوا أرض الكنانة طلبًا للعلم والعلاج والعمل والإقامة، فوجدوا فيها وطنًا ثانيًا وشعبًا كريمًا فتح لهم قلبه قبل أبوابه.

ولم يشعر اليمنيون يومًا أنهم غرباء في مصر، بل كانوا بين أهلهم وإخوانهم، يشاركونهم الأفراح والأتراح، ويتقاسمون معهم أواصر المحبة والاحترام المتبادل.


مصر في قلوب اليمنيين

ومن الجانب الآخر، ظل اليمنيون يكنون لمصر وشعبها كل مشاعر التقدير والوفاء، وينظرون إليها باعتبارها الشقيقة الكبرى، وقلب الأمة العربية النابض، ومنارة العلم والثقافة والفن.

وقد تخرج آلاف اليمنيين من الجامعات المصرية، وحملوا معهم إلى وطنهم محبة مصر وثقافتها وأثرها العميق في حياتهم ومسيرتهم العلمية والعملية.


علاقة تتجاوز السياسة

لم تكن العلاقة بين الشعبين قائمة على المصالح السياسية فحسب، بل تأسست على وشائج إنسانية وثقافية واجتماعية متينة، صنعتها عقود طويلة من التواصل والمحبة والاحترام المتبادل، حتى غدت مصر واليمن أسرتين يجمعهما تاريخ واحد ومصير مشترك وآمال متقاربة.

وإذا كانت الجغرافيا قد جعلت من مصر واليمن بلدين يفصل بينهما البحر، فإن التاريخ والمحبة جعلا منهما شعبين لا تفصل بينهما المسافات.


خاتمة

ستظل هذه العلاقة الأخوية نموذجًا حيًا للتلاحم العربي الصادق، ودليلًا على أن الروابط الإنسانية والثقافية أعمق من كل المتغيرات والظروف.

حفظ الله مصر قيادتها الحكيمة وشعبها العظيم، وحفظ اليمن وأهله الكرام، وأدام بين الشعبين الشقيقين أواصر الأخوة والمحبة والتعاون، لما فيه خير البلدين والأمة العربية جمعاء.