هل اكتفيتم من الصراع؟ أم أن الدرس لم يكن قاسياً بما يكفي بعد؟ كم من الألم والوجع والخسائر تحتاجون حتى تدركوا أن الصراع الداخلي لم يبنِ وطناً ولم يحقق مشروعاً سياسياً، بل استنزف الإنسان والأرض والقضية معاً؟
إلى متى سيبقى الجنوبيون يتصارعون فيما بينهم، وكل طرف يرى نفسه الممثل الوحيد للجنوب، والمالك الحصري للحقيقة، والوصي على إرادة الناس؟ لماذا يصر البعض على احتكار السلطة والقرار والرأي، وكأن الجنوب ملكية خاصة لا وطن يتسع للجميع؟
إن أخطر ما يواجه الجنوب اليوم ليس خصومه فحسب، بل تلك العقلية التي ترفض الاعتراف بالآخر، وتتعامل مع التنوع السياسي والفكري باعتباره تهديداً يجب إقصاؤه لا قيمة يجب احترامها. عقلية الهيمنة والاستحواذ هي التي مزقت المجتمعات وأفشلت المشاريع الوطنية عبر التاريخ، ولن تكون سبباً في بناء دولة أو تحقيق استقرار.
إلى متى سيستمر حشد أبناء الناس إلى معارك عبثية يدفعون ثمنها من دمائهم ومستقبلهم، بينما ينجو صناع الصراع من نتائج ما يصنعون؟ وإلى متى سنرفع شعارات التسامح والسلام في العلن، ثم نمارس الكراهية والإقصاء والتخوين في الواقع؟
لقد آن الأوان للاعتراف بأن الجنوب ليس ملكاً لفصيل، ولا لحزب، ولا لزعيم، ولا لجماعة. الجنوب قضية شعب ومستقبل أجيال، ولا يمكن أن يُبنى إلا بالشراكة والقبول المتبادل واحترام حق الجميع في التعبير والمشاركة.
إن الأمم لا تنهض بالشعارات، بل بالعقل والحوار والمؤسسات. أما استمرار عقلية الاستحواذ والصراع فلن يقود إلا إلى مزيد من التمزق، وإلى فتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية التي تجد في الانقسام فرصتها الدائمة.
السؤال الذي يجب أن يوجه للجميع اليوم ليس: من يحكم الجنوب؟ بل: كيف ننقذ الجنوب من أنفسنا قبل أن نعجز عن إنقاذه من الآخرين؟ فالأوطان لا تسقط حين يهاجمها خصومها فقط، بل حين يعجز أبناؤها عن التعايش فيما بينهم.