بقلم : أحمد محمود السلامي
▪️في معظم الدول العربية، تتحول مباريات كرة القدم إلى حدث وطني يتجاوز حدود الرياضة؛ إذ تتصدر أخبار الأندية والمنتخبات نشرات الأخبار، وتُرصد المليارات لبناء الملاعب والمنشآت الرياضية، وتُخصص الميزانيات الضخمة لاستضافة البطولات والمشاركات الخارجية. وفي المقابل، يقف البحث العلمي والتعليم الحديث في الصفوف الخلفية، بموارد محدودة واهتمام لا يكاد يقترب من حجم الإنفاق الرياضي.
لبنية التحتية، وقلة فرص التطوير. وبينما تُدفع الملايين لاستقطاب اللاعبين والمدربين، لا يحصل الباحث أو المعلم -في أحيان كثيرة- على البيئة التي تسمح له بالإبداع والإنتاج.
المشكلة لا تكمن في كرة القدم ذاتها، بل في اختلال الأولويات. فالدول التي تقولا أحد ينكر أهمية الرياضة بوصفها وسيلة للترفيه، وتعزيز الصحة، وبناء الهوية الوطنية، بل إنها أصبحت قطاعاً اقتصادياً مؤثراً عالمياً. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن لأمة أن تراهن على المجد الرياضي وحده بينما تتراجع في مؤشرات الابتكار والمعرفة؟
في الوقت الذي تُشيَّد فيه الملاعب الحديثة خلال سنوات قليلة، ما تزال كثير من مراكز البحث العلمي العربية تعاني من نقص التمويل، وضعف
اد الاقتصاد العالمي اليوم لم تصل إلى مكانتها عبر البطولات الرياضية فقط، وإنما عبر الاستثمار طويل الأمد في الإنسان والعلم والتعليم. فالجامعات المتقدمة، والمختبرات، وتطوير المناهج، ودعم الابتكار؛ كلها كانت حجر الأساس لأي نهضة حقيقية.
كما أن جزءاً من أزمة التعليم العربي يعود إلى استمرار الاعتماد على مناهج تقليدية تركز على الحفظ والتلقين أكثر من التفكير النقدي والتجريب والبحث. وفي عصر الذكاء الاصطناعي والثورة التقنية، لم يعد كافياً أن يتخرج الطالب وهو يحمل المعلومات، بل المطلوب أن يمتلك أدوات إنتاج المعرفة.
ولو خُصص جزء محدود من الإنفاق الرياضي لغرض إنشاء مراكز أبحاث حديثة، وتحديث المناهج التعليمية المختلفة، وتمويل الابتكار ، لكان أثر ذلك مضاعفاً على الاقتصاد والتنمية ، وفرص العمل، ومستقبل بناء الأجيال . فالهدف ليس استبدال الملاعب بالمختبرات، بل تحقيق توازن يجعل من العلم مشروعاً وطنياً لا يقل حضوراً عن الرياضة.