في الدول المستقرة، يُقاس نجاح الحكومات والجهات الداعمة بما تحققه من نتائج ملموسة تنعكس على حياة الناس وخدماتهم وفرصهم الاقتصادية. أما في الدول الهشة والمثقلة بالصراعات، فإن الصورة تبدو أكثر تعقيداً؛ إذ قد تتدفق المساعدات والمنح والبرامج لسنوات طويلة دون أن يوازيها تحسن ملموس في الواقع المعيشي للمواطنين.
وفي اليمن، لا يكاد يمر عام دون الإعلان عن دعم جديد للكهرباء أو الوقود أو الرواتب أو المشاريع الخدمية. ومع ذلك، لا تزال الأزمات الأساسية حاضرة، بل إن بعضها يزداد تعقيداً مع مرور الوقت. وهنا يبرز سؤال مشروع: لماذا لا يحقق هذا الدعم الأثر المتوقع رغم استمراره وتكراره؟
التفسير الأكثر شيوعاً يُرجع ذلك إلى الفساد أو سوء الإدارة، وهما عاملان حقيقيان لا يمكن إنكارهما. غير أن استمرار الإخفاق بالوتيرة نفسها، رغم تبدل الحكومات والمسؤولين وتدفق المساعدات على مدى سنوات، يدفع إلى التساؤل عما إذا كانت المشكلة أعمق من مجرد أخطاء فردية أو حالات فساد معزولة.
ثمة فارق جوهري بين حل الأزمة وإدارتها. فحل الأزمة يعني معالجة أسبابها البنيوية وبناء مؤسسات قادرة على الاستمرار وتحقيق الاكتفاء التدريجي وتقليل الاعتماد على الخارج. أما إدارة الأزمة فتعني منع الانهيار الكامل وإبقاء الوضع ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، مع بقاء الأسباب الأساسية للمشكلة دون معالجة جذرية، بحيث تستمر الحاجة إلى الدعم والتدخلات الاستثنائية عاماً بعد آخر.
ومن هذه الزاوية، تبدو كثير من الجهود المبذولة أقرب إلى إدارة الواقع منها إلى تغييره. فكم من اللجان شُكّلت، وكم من المجالس أُنشئت، وكم من الورش والحوارات عُقدت، وكم من الخطط والرؤى أُعلنت، بينما بقيت الإنجازات التنفيذية أقل بكثير من حجم الخطاب المصاحب لها. فالمواطن الذي يعاني من انقطاع الكهرباء أو تدهور الخدمات لا يقيس النجاح بعدد الاجتماعات المنعقدة، بل بمدى تحسن حياته اليومية.
وتبرز هنا أمثلة يصعب تجاهلها. فقد قُدمت مبالغ كبيرة لدعم قطاع الكهرباء في عدن والمحافظات المحررة، تجاوزت 150 مليون دولار وفق ما أُعلن عنه، ومع ذلك لا تزال ساعات الانطفاء تصل في بعض الفترات إلى نحو 18 ساعة يومياً، في مدن ساحلية ترتفع فيها درجات الحرارة إلى مستويات قاسية تجعل الحصول على الكهرباء ضرورة إنسانية وليست مجرد خدمة اعتيادية. كما قُدمت مساعدات مالية أخرى لدعم الموازنة وصرف مرتبات الموظفين الحكوميين، قُدّرت بنحو 64 مليون دولار، بينما لا تزال بعض القطاعات تعاني من انقطاع المرتبات لأشهر طويلة، بل لأكثر من عام في بعض الحالات، في ظل ظروف معيشية وإنسانية شديدة الصعوبة.
ولا يمكن إعفاء النخب المحلية من المسؤولية عن هذا الواقع. فبعضها وجد في الأزمة بيئة مناسبة لإعادة إنتاج النفوذ والمكاسب، حتى أصبح استمرار الوضع القائم أكثر فائدة له من تغييره. وهنا تتشكل علاقة معقدة بين داعم خارجي يسعى إلى إدارة المشهد وفق حساباته ومصالحه، ونخب محلية تستفيد من تدفق الموارد واستمرار الحاجة إليها.
وفي مثل هذه الحالات، لا يعود الفساد مجرد استيلاء على المال العام، بل يتحول إلى جزء من منظومة أوسع تعيد إنتاج الفشل بصورة مستمرة. فتنشأ مصالح اقتصادية وسياسية وإدارية مرتبطة ببقاء الأزمة نفسها، وتتحول المعالجات المؤقتة إلى نمط دائم، بينما يتراجع مشروع بناء الدولة لحساب إدارة الأزمات المتلاحقة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل جهة داعمة تسعى إلى الفشل أو ترغب في إدامة الأزمة بصورة مباشرة. لكن من المشروع التساؤل: إذا كانت النتيجة النهائية بعد سنوات طويلة من الدعم هي استمرار الأزمات ذاتها، فهل كانت الأولوية الحقيقية هي إنهاء المشكلة من جذورها، أم الاكتفاء بمنع انفجارها وإبقائها ضمن حدود يمكن التحكم بها؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات ليس نقص الموارد وحده، بل تحوّل الأزمة إلى حالة اعتيادية تتعايش معها الأطراف المختلفة وتتكيف معها مصالحها. فعندما يصبح استمرار المشكلة أكثر نفعاً لبعض المستفيدين من حلها، تفقد المساعدات دورها التنموي، وتتحول من أداة للتغيير إلى وسيلة لإدارة الواقع وإطالة أمده.
ولهذا لم يعد السؤال الذي يشغل المواطن اليمني: كم لجنة شُكّلت؟ وكم ورشة عُقدت؟ وكم دعم قُدّم؟ بل سؤال أبسط وأكثر إلحاحاً: أين النتائج التي يشعر بها الناس في حياتهم اليومية؟
فنجاح أي دعم لا يُقاس بحجم الأموال المُعلن عنها، ولا بعدد البرامج والمشاريع التي تُدشَّن، بل بما يختفي من أزمات وما يتحقق من تحسن حقيقي في حياة المواطنين. وعندما تتراكم المساعدات بينما تبقى المشكلات ذاتها، يصبح من حق الناس أن يتساءلوا: هل نُموّل حلولاً حقيقية، أم نُموّل إدارة دائمة للأزمة؟