العلاقات مع الجوار ليست سياسة شعارات عاطفية ولا مواقف انفعالية تبنى على ردود الأفعال بل هي فن إدارة المصالح في إطار من التوازن والوعي بالتاريخ والجغرافيا ومن هذا المنطلق فإن الحديث عن علاقة اليمن بأشقائه في الجوار في المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة لا يمكن اختزاله في لحظة خلاف أو تقاطع ولا تبريره بحالة ولاء أعمى أو عداء أعمى.
لقد ارتبط اليمن تاريخيا بجواره الخليجي بروابط عميقة ومتجذرة تتداخل فيها الجغرافيا بالاقتصاد والقبيلة بالمصير المشترك فالمملكة العربية السعودية ظلت على مدى عقود تمثل عمقا استراتيجيا لليمن سواء من خلال الدعم الاقتصادي أو احتضان ملايين اليمنيين الذين أسهموا في نهضتها كما أسهمت بدورها في تخفيف أعباء الداخل اليمني في أوقات الأزمات.
أما سلطنة عمان فقد مثلت نموذجا مختلفا في العلاقة قائما على الهدوء والتوازن والانفتاح واحترام خصوصية اليمن حيث لعبت أدوارا إيجابية في تقريب وجهات النظر والحفاظ على جسور التواصل في أحلك الظروف.
في حين برز دور دولة الإمارات العربية المتحدة خلال السنوات الأخيرة بشكل لافت خاصة في الجوانب الإنسانية والتنموية إلى جانب حضورها في المشهد السياسي والعسكري وهو حضور تباينت حوله المواقف بين مؤيد ومعارض وفقًا لاختلاف زوايا النظر وتقدير المصالح.
غير أن الثابت في كل هذه العلاقات أن المصالح ليست جامدة بل متغيرة وأن معادلة عدو الأمس صديق اليوم ليست استثناءً في عالم السياسة بل قاعدة تحكمها التحولات الإقليمية والدولية فالدول لا تبني سياساتها على العواطف بل على حسابات دقيقة تتعلق بالأمن القومي والاقتصاد والنفوذ.
لكن في مقابل ذلك تظل هناك خطوط لا ينبغي تجاوزها وأهمها الحفاظ على السيادة الوطنية وعدم الانزلاق إلى التبعية التي تُفرغ الشراكة من مضمونها فالشراكة الحقيقية تقوم على الندية والاحترام المتبادل وتكامل المصالح لا على الإملاءات أو الارتهان.
إن العداء الأعمى للأشقاء ليس سياسة بل خسارة مضاعفة كما أن التبعية العمياء ليست شراكة بل تفريط في القرار الوطني وبين هذين الطرفين تقف الحكمة السياسية التي توازن بين الانفتاح والحفاظ على الثوابت وبين التعاون وحماية السيادة.
اليمن اليوم بحاجة إلى إعادة صياغة علاقاته الخارجية وفق رؤية وطنية واضحة تنطلق من مصلحته العليا وتستفيد من عمقه الإقليمي دون أن تذوب فيه فالدول التي تحترم نفسها تفرض احترامها وتبني علاقاتها على أساس المصالح المتبادلة لا على حساب كرامتها أو استقلال قرارها.
وفي ظل عالم متغير لا مكان للدول الضعيفة أو المرتبكة بل للدول التي تعرف ماذا تريد وكيف تحمي مصالحها ومع من تتحالف دون أن تفقد نفسها.