ملخص تنفيذي
المقابلة بتأملها بعيدا عن الحساسيات ليست مقابله سياسية تقليدية بل هي( تقدير موقف) يترجم المعاناة اليمنية إلى لغة الحقائق الجغرافية والاقتصادية بهدؤ وما قاله الزنداني هو بمثابة إعادة تأطير للعلاقة بن اليمن والسعوديه حيث يتحول اليمن من مجرد متلق للمساعدات إلى شريك في تأمين المصالح المشتركة ويصبح الدعم السعودي استثمارا في الاستقرار الإقليمي لا عبئا خيريا وهذه الرؤية المحررة من أي نبرة استجداء أو ابتزاز هي ما يضمن للرياض أنها تخاطب بعقلانية تقدر تحدياتها الداخلية وتقدم لها مبررات موضوعية للاستمرار في الشراكة دون أن تحملها فوق طاقتها ودون أن تصادر شعورها بأنها الشريك الأكبر والأكثر حكمة في معادلة معقدة عنوانها الأبرز هو المصير المشترك في ممر مائي لا يحتمل الفوضى.
مع بلوغ المفاوضات الإقليمية ذروتها وتصاعد وتيرة إعادة تشكيل أوراق القوة في البحر الأحمر اجرت صحيفة عكاظ السعوديه مقابلة رئيس الوزراء اليمني الدكتور شائع الزنداني من وجهة نظري كباحث متخص
لم تكن مجرد مقابله صحفيه عابره بل (وثيقة موقف) هادئه يمكن بتأمل بعيد عن الانفعال قراءتها كـ(خريطة طريق تعيد تعريف العلاقة بين اليمن والشقيقة الكبرى السعودية)
فعندما قال الزنداني بأن استقرار اليمن مرتبط بأمن المنطقة والملاحة الدولية فهو لم يبتكر وعيا سياسيا جديدا بل يترجم قانونا فيزيائيا حتميا لا مفر منه في الجغرافيا السياسية فتعطل الموانئ اليمنية ينتج اضطراب مباشر في المعادلة اللوجستية للخليج بأكمله وليس كارثه انسانيه في اليمن وحسب بهذا الطرح الزنداني يعيد تعريف الدعم السعودي من كونه بند خروج في الميزانية إلى كونه استثمارا وقائيا فهو يقلب المعادلة الذهنية لصانع القرار في الرياض رأسا على عقب فالنظرة التقليدية للمساعدات تنظر إلى المبلغ المحول كخسارة صافية تخرج من الخزينة السعودية دون عائد مباشر وهذا ما يولد شعورا دائما بالخسارة ويجعل أي طلب لاحق مثقلا بثقل التبرير الاخوي الأخلاقي لكن حين يصاغ الدعم كدفعة اليوم لتجنب دفع عشرة أضعاف غدا في صورة ارتفاع كلف التأمين البحري أو تراجع الاستثمارات الأجنبية عن المنطقة أو حتى هروب رؤوس الأموال من مشاريع الرؤية السعودية الطموحة فإن المبلغ نفسه يتحول في ذهن المسؤول من عبء إلى استثمار ومن باب إحراجي إلى قرار سيادي يحمي المصالح قبل أن يحمي الجار وهذا التحول النفسي هو الأهم في المقابلة لأنه يحرر الرياض من فخ العطاء الذي يضعها دائما في موقع المتهم المقصر حين تنقص المساعدات ويسكنها في موقع الشريك العاقل الذي يدفع ثمنا لتأمين أصوله هو أولا وأخيرا
وجاء في المقابلة قوله نواجه اختلالات إدارية وفسادا ماليا وإرثا ثقيلا وحكومتنا لم تكمل أشهرها الأولى وهذه الجملة
بتأملها تعد أشبه ببيان تسوية تضع الأزمة في إطارها التاريخي الموضوعي والهدف هنا تقديم الحكومة كأداة تصحيح جاهزة لتطبيق آليات رقابية مشتركة مما يطمئن الجهة المانحة بأن أموالها ستخضع لحوكمة صارمة دون أن تتهم بالتدخل في الشؤون الداخلية لأن الحكومة نفسها هي من بادرت بطلب الرقابة.
العبارة الاكثر عمقا هي وصف الدعم السعودي بطوق نجاة مؤقت مقترن بوعيد اصلاحي مالي واداري وهنا لا يعترض الزنداني على حجم الدعم بل يقر ضمنيا بتكلفة المساعدات التشغيلية على الطرفين والتأمل فيها يكشف رسالة خفية تقول نحن نعي ان شراء الديزل شهريا يثقل ميزانيتكم والاصلح تحويل هذه السيولة الى مشاريع بنية تحتية دائمة كالغاز والطاقة الشمسية والموانئ وهذا الطرح يخدم اليمن و الرياض يريحها من عبء التمويل المتكرر ويفتح الباب امام القطاع الخاص السعودي للشراكة في مشاريع منتجة للدخل.
لم يشر الزنداني صراحة إلى الملفات الإقليمية الشائكة لكن قوله عن الإرث الثقيل وعجز الطاقة تقرأ في سياقه الزمني كإشارة إلى أن اليمن بموقعه سيبقى ممرا مائيا مفتوحا في إشارة إلى أن الفراغ في البنية التحتية اليمنية هو فراغ جاذب لأي قوة إقليمية وهذا القول رسالة للرياض بأنها الحاضن الطبيعي الوحيد القادر على ملء هذا الفراغ عبر استثمارات تنموية مما يدفعها للتحرك استباقيا استنادا إلى إدراكها الذاتي لمصلحتها وليس استجابة لإنذارات مباشرة.
وعندما تحدث عن العجز الهائل والتراكمي لم يهدد بكارثة إنسانية لإحراج أحد بل وصف قانون الجاذبية السياسية بواقعية فالقاعده تقول ضمنا أن أي دولة تعجز عن توفير الكهرباء والخدمات الأساسية ستتحول إلى فراغ يمتص الدماء والموارد وهذا الفراغ سينعكس سلبا حركة الملاحة التي هي عصب الاقتصاد السعودي وهذه الصياغة الكلامية الخالية من أي لوم تضع الرياض في موقع المستثمر الذكي الذي يدرك أن تكلفة الإنقاذ المبكر عبر مشاريع مستدامة أقل بكثير من تكلفة التعامل مع اضطرابات بحرية وفوضى إقليمية في المستقبل القريب