آخر تحديث :الإثنين-22 يونيو 2026-09:18م

شعوب العالم الثالث .. وتحديات الإنفتاح الثقافي والفكري..!!

الإثنين - 22 يونيو 2026 - الساعة 03:11 م
إبراهيم ناصر الجرفي


لقد دأبت أنظمة الحكم البشرية منذ نشأتها وحتى اليوم ' على إتباع كل السياسات الكفيلة بنشر أفكارها الدينية والثقافية والاقتصادية ' وهذا أمر وارد وطبيعي فكل نظام حكم له أفكاره وسياساته الخاصة به ' ولكن هناك أنظمة حكم تلجأ لاستخدام الإكراه والإجبار والاضطهاد والقمع كوسائل لفرض أفكارها وهي أنظمة الحكم الدكتاتورية والاستبدادية ' وهناك أنظمة حكم لا تلجأ لوسائل العنف للقيام بذلك ' كونها تستخدم الوسائل الناعمة كالاقناع والحوار ' وهذه هي أنظمة الحكم الديمقراطية والدستورية ' وبذلك فإنه يمكننا وعلي الفور تحديد نوعية نظام الحكم من خلال معرفة الوسائل التي يتبعها لنشر أفكاره ومعتقداته دون الحاجة للغوص أكثر في سياسات هذا النظام او ذاك ..!!


ولقد كانت الظروف السائدة في الفترات التاريخية السابقة للتطورات التكنولوجية ' تساعد أنظمة الحكم كثيراً في فرض أفكارها وسياساتها على شعوبها نتيجة العزلة والاستقلالية ' ما كان يدفع بالدول القوية والاستعمارية إلي التدخل العسكري المباشر واحتلال الدول لغرض فرض أفكارها وسياساتها ' فكانت القوة خلال تلك الفترات التاريخية هي الوسيلة الوحيدة لنشر الأفكار والثقافات والمعتقدات ، أما اليوم وفي ظل التطورات التكنولوجية الهائلة في مجال الاتصالات وتقنية المعلومات والتكنولوجيا الرقمية والفضائية ' فقد تمكنت الدول المتقدمة من اجتياح فضاءات الدول المتخلفة ' لتصبح مكشوفة أمامها فكريا وثقافيا ' وبات بمقدورها نشر أفكارها وثقافاتها بشكل مباشر دون الحاجة للقوة ' كما أن هذه التطورات قد منحت الشعوب قدرة الوصول والتواصل مع العالم الخارجي بعيداً عن القيود السلطوية ' وبهذه التطورات تكون البشرية قد طوت صفحة الإنعزالية الثقافية والفكرية والتضليل الاعلامي والاستخباراتي السلطوي ' والتي بدورها فتحت الباب واسعاً أمام نوع جديد من الصراع لا حاجة فيه للقوة والسلاح ' وهو الصراع الثقافي والفكري الذي تمثل الكلمة والفكرة سلاحه القوي ' ليتحول الصراع من صدامات عسكرية مسلحة ' إلي تنافس ثقافي وفكري ' وصاحب الفكر الإيجابي والثقافة الإنسانية الايجابية ' هو من سوف ينتصر في هذا الصراع والعكس صحيح ' ولن أبالغ إذا قلت بأن الدائرة بدأت تضيق حول كل الأفكار والثقافات السلبية حول العالم ' التي تدعوا للعنف والتسلطـ والتطرف والارهاب والكراهية ..!!


والغريب في الأمر بأن هناك أنظمة حكم في دول العالم النامي ' لا تزال تنتهج وسائل واساليب القمع والعنف لنشر أفكارها وسياساتها ومعتقداتها ' ولا تزال تستخدم وسائل التضليل الاعلامي ناسية او متناسية أن هكذا وسائل واساليب لم تعد ذات جدوى في ظل الإختراق التكنولوجي لفضائها الإلكتروني ' والأغرب من ذلك أن هناك العديد من الجماعات والأحزاب لا تزال حبيسة للفكر السياسي والعقائدي والثقافي المتوارث ' دون أن تستفيد من الإنفتاح الثقافي والفكري والحضاري ' لتصبح المشكلة هنا ليست في أنظمة الحكم ولكن في تلك العقول الرافضة التفاعل مع التحولات والتطورات الفكرية والعلمية والتكنولوجية ' التي يبدو بأنها هي من تريد الإنغلاق على نفسها ' وهي من ترفض الإنفتاح الثقافي والفكري الإيجابي ' وهي من ترفض الاستفادة من التطورات التكنولوجية والمعلوماتية ' وفي كل الاحوال الإنغلاق والإنعزال ليس حلاً لمواجهة تطورات العصر ' وتحديات الواقع ..!!


وأنظمة الحكم عبر تاريخها الطويل تعمل على جعل الجماهير تشاهد أي حدث أو تقرأ أي فكرة من الزاوية التي تريدها هي والتي تتماشى مع سياساتها ومصالحها ' ولكن التطورات التكنولوجية قد تمكنت من كسر هذا الاحتكار ' ومكنت الشعوب من رؤية أي حدث وقراءة أي فكرة من جميع الزوايا ' من خلال تعدد المواقع البحثية والمعلوماتية والقنوات الثقافية والعلمية ' التي تمكنها من الحصول على المزيد من المعلومات حول ذلك الحدث أو الفكرة ' وبذلك فإن الإنعزالية الثقافية والفكرية اليوم لم يعد نظام الحكم هو المسئول الوحيد عنها ' كونه لم يعد يمتلك السيطرة المطلقة على المعلومات ' ولكن الشعوب باتت تتحمل جزء كبير من المسئولية حول ذلك ' نتيجة عدم استفادتها من وسائل المعرفة ومصادر المعلومات الكثيرة المتاحة أمامها ' والتي سوف تمكنها من قراءة الأحداث والأفكار بشكل أكثر شفافية ومصداقية واستقلالية وموضوعية ' والكفيلة بتحريرها من الإنعزالية الفكرية السلبية ومن التضليل الاعلامي الممنهج والموجه الذي يعمل على تنفيذ سياسات وأفكار وأجندات نظام الحكم ..!!


وبذلك .....

فإننا نعيش اليوم في عصر الإنفتاح الثقافي والفكري والحضاري والمعلوماتي والتقني ' وليس أمامنا من سبيل سوى التسلح بالعلم والمعرفة والثقافة الإيجايية ' حتى نتمكن من رسم صورة حقيقية وإيجابية وحضارية لمعتقداتنا وأفكارنا وثقافتنا ' ومن المؤسف أن نحصر أنفسنا في زاوية واحدة وأن نشاهد من خلالها الأحداث ونقرأ عبرها الأفكار ' لأنه من غير المستبعد أن يكون الوقوف في تلك الزاوية يعطي المشاهد رؤية غير صحيحة ' طالما ولدينا إمكانية لفعل ذلك من جميع الزوايا ' وهو ما يمنحنا القدرة على التحرر من التبعية الفكرية بكل أشكالها ' ويجعلنا أكثر قرباً من الموضوعية والشفافية والاستقلالية الفكرية ..!!