آخر تحديث :الإثنين-22 يونيو 2026-09:18م

ردًا على العنزي.. نعم لقد خسرت المملكة قلوب الأشقاء

الإثنين - 22 يونيو 2026 - الساعة 09:20 ص
د. أنور الصوفي


لم تكن صافرة حكم المباراة إيذانًا بإعلان بعض أفراد الشعب الذين لم يستطيعوا كتم آلامهم وجراحهم بسبب سياساتكم في هذا الوطن الذي تأخر خطوات كبيرة في كل شيء في التعليم والصحة وكل الخدمات، فعاصمتهم عدن التي عرفت كل تطور قبل كل دول وممالك الجوار للأسف الشديد انقطعت عنها المياه والكهرباء والرواتب، نعم أخي العزيز راشد العنزي لم تكن الاحتفالات حبًا للأسبان ولم تكن الصافرة إلا لحظة ليعبر فيها بعض أبناء هذا الوطن عن ألم غائر وشعور بالخذلان يتجاوز أبعاد المستطيل الأخضر.


لقد آلمكم وأحزنكم بشدة، بل وأثار استغرابكم الممزوج بالمرارة، ذلك المشهد الذي تناقلته منصات التواصل لتلك الاحتفالات الصاخبة في شوارع بعض مدن الجنوب اليمني، ابتهاجًا بهزيمة المنتخب السعودي أمام نظيره الإسباني، ولكن ما آلمنا نحن هزيمتنا في معركتنا ضد الجهل والتخلف وعسكرة الحياة في جنوبنا الحبيب، ما آلمنا نحن هو أن المملكة تدعم في فيضانات وكوارث لدول لا تربطها بها علاقة دين ولا نسب ولا دم ولا لغة ولا جوار أضعاف ما قدمته للجنوب اليمني في محنته، بل أنها سعت لإهمال التعليم في عدن وغيرها من محافظات الجنوب، عدن التي عرفت التعليم كأول دولة في المنطقة، بل وهمشت المعلمين وأساتذة الجامعات حتى كادت رواتبهم لا تساوي شيئًا، فماذا يمثل جرحكم أمام جراحاتنا الغائرة؟


لقد قلت: يا للمفارقة! احتفالات لم تشهدها شوارع مدريد ولا ساحات برشلونة بذات الزخم الذي رأيناه هناك، وكأن الفوز كان معركة استردوا فيها أرضًا، أو نصرًا استعادوا به كرامةً مهدورة، فيا أخي لم تكن هزيمة منتخبكم نصرًا لنا، ولكنها كانت بمثابة رفع صوت ألم لوضعنا الذي امتد لسنوات، ولوضعكم الذي وصلتم إليه في مباراة مدتها لا تتجاوز الساعتين، فانظر للفارق بين ألمكم الذي تألمتموه بسبب احتفال لم يمتد إلا لدقائق لشعب مقهور امتد قهره وظلمه وقتله وتجويعه وتجهيله لسنوات، يا أخي العزيز إن جراحنا تتمثل في دم نزف وجوع استوطن في الأحشاء فلو رأيت حالنا أخي العزيز لهانت عليكم مناظر تلك الاحتفالات التي تمثل صرخة في وجه السياسات، هذه الصرخة مفادها: نحن إخوتكم والأقربون أولى بالمعروف، أما الكثير من أبناء هذا الوطن فوالله إنه على الرغم من تلك الجراح إلا أنهم كانوا يتمنون أن يفوز المنتخب السعودي، وكنا نتمنى أن يذهب بعيدًا في المنافسة، أخي العزيز لا تنظر لتلك الاحتفالات بعين واحدة بل انظر إليها من باب تفريغ شحنات كبت وأسى عاشها هذا الشعب المقهور لسنوات، فظلم ذوي القربى أشد مضاضة على القلب من وقع الحسام المهند.


لا تحتر أخي ولا تتساءل أمام هذا المشهد، ولا تقل ما الذي حدث؟ وكيف تحول هذا الشعب الأصيل، الذي لطالما كان سندًا وكتفًا، والذي قدم فلذات أكباده فداءً للمملكة وأمنها واستقرارها، إلى طرف يجد في انكسارنا الرياضي مادةً للبهجة وإطلاق الألعاب النارية؟ أخي العزيز: إن ما جرى لا يعني أننا سنكون خصومًا للمملكة، فهي ما تبقى للعرب من قوة ومنعة، بل أننا سنكون وسنظل يدًا تضرب من يحاول الاعتداء عليها، وهذا يتطلب من المملكة أن تأخذ بيد أبناء هذا الوطن إلى بر الأمان، ولن تجد منهم إلا النصرة، وما زال أبناؤنا على جميع الثغور يذودون عن حياض المملكة، ولن تتغير معتقداتنا، فالمملكة لو حُسِبَ لها فقط حفاظها على المقدسات والاهتمام بها وتوفير الحرم الآمن لكل الملسلمين لكفتها تلك الحسنة، ولغسلت كل هفوة هنا أو هناك.


قلت متسائلًا: كيف تحول الحليف التاريخي، والجار الذي تقاسمنا معه الملح والدم، إلى محتفل بهزيمتنا؟ هذا السؤال أخي العزيز مقصور على من خرج وهم العشرات أما الملايين فقد تجرعوا الخسارة كما تجرعتموها، فأضافوا إلى أوجاعهم وجعًا آخر، ولكننا نمني أنفسنا أن يفوز الأخضر السعودي في المباراة القادمة ليتأهل للدور القادم، وليثأر من الأسبان في الأدوار القادمة إذا جمعتهم يا عزيزي المجامع.


قلت في أثناء مقالك: لا يمكنني أن أقرأ هذا المشهد كـ "فرحة كروية عابرة". بل هو "صرخة صامتة" ونقول لك: نعم هي صرخة، وقلت: أو ربما "غضب مكتوم" نعم هو غضب، وقلت: خرج في ثوب شماتة كروية، هنا أقول لك: ربما تكون في ثوب شماتة عند بعض أبناء الشعب، ولكنه حسرة وندامة عند الكثير منهم.


قلت في مقالك: لقد تحولت الملاعب إلى مرآة عاكسة لشرخ عميق في العلاقة، لعلنا تجاهلناه طويلًا إن وصول الأمر بالشعب اليمني -الذي عرفناه بالشهامة والوفاء- إلى هذه الحالة من العداء الرمزي، يعني أن هناك جرحًا غائرًا في ثقتهم بنا، وجرحًا أعمق في نظرتهم لسياساتنا، أقول لك: نعم، لقد اهتزت ثقة الشعب اليمني بالمملكة، فلقد تفاءلنا بعاصفة الحزم، ولكنها لم تحزم الأمور، وتفاءلنا بعاصفة الأمل، ولكنها تحولت إلى ألم فضيع، فقد تحولت وتبدلت حياتنا، فأصبح همنا كسرة خبز نقيم بها أصلابنا، وشمعة تضيء ليلنا الأسود الحالك.


قلت في مقالك الرائع: هل خذلناهم؟ هل أصابتهم خناجر السياسة في مقتل، حتى أصبح انكسارنا في مباراة هو متنفسهم الوحيد للتعبير عن خيباتهم المتراكمة؟ أخي العزيز: أقول لك وردًا على تساؤلاتك: نعم لقد خذلتمونا، فقد كنا نتوقع أن نناطح السحاب عندما وضعنا يدنا بيدكم لهزيمة المشروع الفارسي، ولكنكم للأسف جعلتم منا مجرد بندقية تخيف عدوكم، وعصا تلوحون بها عند الحاجة، نعم لقد أصابتنا سياستكم في مقتل، فأنهيتم جيشًا كان يضرب به المثل في الانضباط والتدريب والهيبة والشجاعة، وشكلتم مليشيات من تلاميذ مدارسنا وطلاب جامعاتنا حتى غدت مدارسنا وجامعاتنا خاوية على عروشها، فنمت الأمية في مجتمع قد تحرر منها منذ عقود، فأي خذلان بعد هذا الخذلان؟


قلت في أثناء مقالك: إنني أدعو -بصوت عالٍ ومخلص- إلى مراجعة شاملة، جريئة وصادقة، لسياساتنا تجاه هذا الشعب. إذا كان هذا الشعب الأصيل، الذي كان ذات يوم خط الدفاع الأول عن أمننا ومصالحنا، قد وصل إلى مرحلة الاحتفال بسقوطنا، فإننا أمام ناقوس خطر حقيقي، هنا أقول لك: لقد طرقت باب الحل الوحيد، ألا وهو باب المراجعة لسياسات المملكة تجاه هذا الشعب، وعلى المملكة أن تنصف هذا الشعب وتدعمه حتى يقوم على رجليه مرة أخرى وأن تعاملنا كشعب مستقل له حضارته وإرثه، وساعتها لن تجد إلا النصرة التي كانت وما زالت وستظل إن شاء الله.


قلت في مقالك الصادق: إن التاريخ لا يرحم، وشعوب المنطقة ذاكرتها لا تنسى وستصيبنا لعنة الجحود إن لم نراجع مواقفنا، وستلاحقنا خيبة الخذلان إن لم نبادر بتضميد جراحهم قبل أن يبتلعنا جميعًا طوفان الجفوة والعداء، هنا أقول لك: جراحنا غائرة وتطبيبها يحتاج للاعتراف بنا كشقيق أولًا، وكجار ثانيًا، ومساعدتنا لبناء وطننا من خلال دعمنا الدعم الكافي، وأذكرك بالقول العربي المشهور: تأبى العصي إذا اجتمعن تكسرن وإذا افترقن تكسرت آحادا.


قلت في مقالك: إن الأصدقاء لا يولدون أعداء، بل نحن من نصنع أعداءنا بسياساتنا أحيانًا أو بتجاهلنا لآلام الحلفاء. نعم هذا هو عين العقل، فهذا الشعب رمى كل أوراقه في مملكة آل سعود ثقة فيهم، فجوازاتنا وهوياتنا تمر عبر المملكة قبل أن تصل إلينا، وقرارنا السياسي والعسكري بيد المملكة لقد سلمناكم كل شيء ثقة فيكم، فنحن لا نعدكم أصدقاءً بل إخوة وهذا هو الواقع، ولكنكم جعلتمونا مجرد حقل تجارب لطائراتكم وسياساتكم، فعندما اعتبرناكم إخوة قالها سياسيونا وبصريح العبارة: نحن بيد الملك سلمان يضرب بنا أينما شاء، ولكن سياسة المملكة هي من جعلت السياسيين والشعب يتوجس من هذه السياسة.


قلت محذرًا السياسيين في المملكة: استفيقوا، فالحليف الذي يخسر قلبه، لا يمكن لأي مال أو سلاح أن يعيد استرداده. نعم لقد كنت محقًا في عبارتك هذه فيجب على المملكة ألا تخسر من أعطاها كل شيء، فمطالبنا بسيطة تتمثل في حياة كريمة وآمنة، نريد أن نأمن من الجوع والخوف، فمطالبنا رواتب تفي بمتطلبات الحياة. خدمات كما يحصل عليها أخوتنا في المملكة، نريد إعادة أبنائنا من جبهات الموت إلى قاعات الدراسة مع استمرار صرف رواتبهم، وعند أي اعتداء فالرجال كالحصى وسيتسابقون على المتارس، وسيكون هذا الشعب هو السند والساعد القوي للدفاع عن حياض أرضه ونصرة الأشقاء في المملكة ضد أي طامع، أخي راشد بن ضيف الله العنزي لا أملك إلا أن أقول لك: لو كان الأخوة في المملكة بهذه العقلية وهذا التفكير لتوحدت كلمتنا، ولأصبحنا قوة، ولأمنا نحن والمملكة من أي تهديد، دمتم أخي العزيز ودامت هذه العقول النيرة التي تعبر عن الأخوة الصادقة.