كتبه : الباركي الكلدي
لا أحد يستطيع أن ينكر التضحيات الجسيمة التي قدمها قادة الجنوب ومقاتلوه في مواجهة قوات عفاش والحوثي عام 2015، ولا يمكن لأحد أن يجحد الأدوار البطولية التي سطرها رجال حملوا أرواحهم على أكفهم دفاعًا عن الأرض والهوية والكرامة. تلك التضحيات ستظل محل تقدير واحترام، وستبقى جزءًا من تاريخ الجنوب الحديث.
لكن احترام الماضي لا يعني الصمت عن الحاضر، والاعتراف بالبطولات لا يلغي حق الشعب في مساءلة من يتصدرون المشهد اليوم عن واقع الخدمات والمعيشة والأمن والاستقرار.
لقد مضى أكثر من عقد على تحرير معظم مناطق الجنوب، وخلال هذه السنوات تعاقب على إدارة المحافظات والمؤسسات مسؤولون وقادة من أبناء الجنوب أنفسهم، وتوفرت فرص سياسية وعسكرية وإدارية كان من الممكن أن تشكل نقطة تحول حقيقية في حياة المواطنين. غير أن الواقع الذي يعيشه الناس اليوم يطرح أسئلة مؤلمة لا يمكن تجاهلها.
فالمواطن الذي يصارع انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات لا تعنيه كثرة التصريحات بقدر ما تعنيه النتائج على الأرض. والأم التي تعاني من الحر وانعدام الخدمات، والمريض الذي يبحث عن علاج، والشاب الذي يبحث عن فرصة حياة كريمة، جميعهم يريدون أفعالًا لا أقوالًا.
المشكلة الحقيقية ليست في قلة الإمكانات فقط، بل في غياب القيادات عن الميدان وابتعاد كثير من أصحاب القرار عن تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين. فالقائد الذي يعيش بين شعبه يرى ما لا تنقله التقارير، ويسمع ما لا يقوله المقربون، ويشعر بما يشعر به الناس من ألم ومعاناة.
لقد آن الأوان للانتقال من مرحلة استحضار أمجاد الماضي إلى مرحلة صناعة إنجازات الحاضر. فالشرعية الحقيقية لأي قيادة لا تُكتسب فقط من بطولات الأمس، بل تتجدد يوميًا بقدرتها على خدمة الناس وحل مشاكلهم والوقوف إلى جانبهم في أوقات الشدة.
واليوم نتوجه بنداء صادق إلى أبو زرعة المحرمي وعبدالرحمن شيخ وإلى كل من لا يزال يمتلك سلطة أو نفوذًا أو قدرة على التأثير: انزلوا إلى الميدان، اقتربوا من المواطنين، استمعوا إلى أصواتهم، واجعلوا مناصبكم وسيلة لخدمتهم لا مجرد مواقع للسلطة.
فالتاريخ لا يتذكر فقط من حمل السلاح يوم المعركة، بل يتذكر أيضًا من أنصف الناس عندما امتلك القرار، ومن خفف معاناتهم عندما اشتدت الأزمات، ومن بقي بينهم حين اختار الآخرون الابتعاد.
إن الجنوب اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الوعود، بل يحتاج إلى رجال دولة يعيشون بين شعبهم، ويجعلون من خدمة المواطن أعظم معركة وأشرف انتصار.