آخر تحديث :السبت-20 يونيو 2026-09:14م

نتائج الطرشان: من يدفع ثمن لعبة هرمز؟

السبت - 20 يونيو 2026 - الساعة 04:16 م
م. صالح بن سعيد المرزم


لم يعد السؤال اليوم: من انتصر في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: من سيدفع ثمن هذا الصراع الممتد؟


فبعد أشهر من التصعيد المتبادل، والرسائل غير المباشرة، والتهديدات المتكررة، انتقل المشهد من «حوار الطرشان»، حيث يتحدث كل طرف بلغته الخاصة دون أن يصغي للآخر، إلى «مفاوضات الطرشان»، التي تحولت من البحث عن حلول حقيقية إلى مجرد إدارة للأزمات وتأجيل للانفجار.


أما اليوم، فقد دخلنا مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ«نتائج الطرشان».


لقد تحول مضيق هرمز، ذلك الممر البحري الضيق الذي يربط الخليج بالعالم، إلى نقطة ارتكاز لصراع تتجاوز أبعاده حدود الجغرافيا والسياسة، ليصبح اختباراً حقيقياً لموازين القوى الدولية، ولقدرة النظام العالمي على حماية مصالحه الاقتصادية.


إيران تنظر إلى المضيق باعتباره ورقة ضغط استراتيجية تستخدمها كلما اشتدت عليها الضغوط السياسية والاقتصادية، فيما ترى الولايات المتحدة أن حرية الملاحة مبدأ لا يقبل المساومة، وأن أي تهديد لخطوط التجارة العالمية يمثل تحدياً مباشراً لنفوذها ومصالحها.


لكن بين التهديد والردع، وبين التصعيد والاحتواء، تضيع حقيقة أساسية لا يمكن تجاهلها: لا أحد يملك رفاهية إغلاق المضيق، ولا أحد يستطيع تحمل تبعات المواجهة الشاملة.


فأي اضطراب في هرمز لن يقتصر تأثيره على دول الخليج، بل سيمتد فوراً إلى أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، وأسواق المال، وتكاليف التأمين والشحن، ومعدلات التضخم في مختلف أنحاء العالم.


والأخطر من ذلك، أن التوتر المزمن بدأ يتحول إلى مشهد اعتيادي، حتى بات العالم يتعامل مع التهديدات المتكررة وكأنها جزء طبيعي من الواقع السياسي. غير أن التاريخ يؤكد أن الأزمات المزمنة لا تصبح أقل خطورة بمرور الزمن، بل تزداد تعقيداً كلما تأخر التعامل معها بجدية.


وفي خضم هذه المعادلة المعقدة، تبرز تساؤلات جوهرية حول مخرجات المسارات التفاوضية الأخيرة، وحول طبيعة التوازن بين الالتزامات المتبادلة. فكلما بدت كلفة التنازلات غير متوازنة، ازدادت الشكوك بشأن قدرة أي اتفاق على تحقيق استقرار مستدام.


إن جوهر أي تسوية ناجحة لا يكمن في عدد التعهدات أو حجم المكاسب السياسية والإعلامية، بل في قدرتها على معالجة جذور الأزمة، وضمان عدم تحولها إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار.


ومن منظور خليجي، لا يمكن القبول بأن تتحمل دول المنطقة كلفة الأزمات التي لم تصنعها، سواء عبر اضطراب الأسواق، أو تراجع الاستثمارات، أو ارتفاع المخاطر الأمنية، أو تحمل أعباء اقتصادية إضافية نتيجة صراعات الآخرين.


وفي الوقت الذي انشغلت فيه بعض القوى بإدارة الأزمات، اختارت المملكة العربية السعودية مساراً مختلفاً يقوم على العمل الهادئ والاستعداد الاستراتيجي بعيداً عن ردود الفعل الانفعالية.


فالمملكة أدركت مبكراً أن أمن الطاقة لا يُحمى بالتصريحات، بل بتنويع الخيارات، وتعزيز البنية التحتية، وتطوير الموانئ، وتوسيع شبكات النقل، والاستثمار في الاقتصاد غير النفطي، وبناء شراكات دولية متوازنة.


ولم تكن رؤية السعودية 2030 مجرد مشروع اقتصادي، بل مشروعاً استراتيجياً شاملاً يهدف إلى تعزيز قدرة المملكة على مواجهة المتغيرات الجيوسياسية وتقليل الاعتماد على العوامل الخارجية.


لقد نجحت المملكة في تحويل التحديات إلى فرص، فبينما انشغل البعض بإدارة الأزمات، انشغلت السعودية بصناعة المستقبل.


واليوم، لم تعد المملكة مجرد منتج رئيس للطاقة، بل أصبحت لاعباً محورياً في استقرار الأسواق العالمية، وشريكاً موثوقاً في أمن المنطقة، وقوة اقتصادية تمتلك من الأدوات ما يمكنها من التعامل مع مختلف السيناريوهات.


إن الدرس الأهم من «نتائج الطرشان» هو أن سياسة حافة الهاوية لا تصنع أمناً دائماً، وأن إدارة الأزمات ليست بديلاً عن حلها، وأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق عبر استعراض القوة، بل عبر بناء الثقة وتغليب المصالح المشتركة.


فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من التهديدات، بل إلى رؤية واقعية تدرك أن أمن الخليج لم يعد شأناً إقليمياً فحسب، بل أصبح ركناً أساسياً من أركان الاستقرار الاقتصادي العالمي.


ويبقى السؤال مفتوحاً:


هل تدرك الأطراف المتصارعة أن تكلفة الصراع أصبحت أكبر من مكاسب التصعيد؟ أم أننا سنشهد فصولاً جديدة من «حوار الطرشان» و«مفاوضات الطرشان»، لنعود مجدداً إلى دفع ثمن «نتائج الطرشان»؟