آخر تحديث :الجمعة-24 يوليو 2026-12:10ص

بين الصدق والتطبيل.. عندما تُباع المواقف بالكلمات

الجمعة - 19 يونيو 2026 - الساعة 10:58 م
محمد ناصر عجلان


بقلم الصحفي / محمد ناصر عجلان


في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتشكل فيه القناعات عبر ما يُنشر ويُقال، تبرز ظاهرة خطيرة تتمثل في تحويل الكلمة من وسيلة لإظهار الحقيقة إلى أداة لتجميل الواقع وتزييفه. فهناك من يجعل من المديح المفرط منهجًا دائمًا، لا انطلاقًا من قناعة حقيقية، بل بحثًا عن مكاسب أو مصالح أو مواقع نفوذ.


إن المشكلة لا تكمن في الثناء المستحق أو الإشادة بالنجاحات، فذلك أمر طبيعي ومطلوب، وإنما تكمن في المبالغة التي تلغي الحقائق، وتحجب الأخطاء، وتمنح الأشخاص أو الجهات صورة مثالية بعيدة عن الواقع. وعندما يصبح التمجيد بديلاً عن النقد، تتحول الكلمة إلى وسيلة لتضليل الرأي العام بدلًا من تنويره.


لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي يسود فيها التطبيل تعاني من ضعف الرقابة والمحاسبة، لأن الأصوات الصادقة تُهمّش، بينما تتصدر المشهد الأصوات التي تجيد المبالغة والتبرير. ومع مرور الوقت، تتسع الفجوة بين الواقع والصورة المرسومة للناس، فتتراجع الثقة وتزداد حالة الإحباط لدى المجتمع.


إن المسؤولية لا تقع على عاتق المطبلين وحدهم، بل تمتد إلى كل من يقبل المعلومات دون تمحيص أو يكتفي بسماع رأي واحد. فالحقيقة لا تُبنى على التصفيق، وإنما على البحث والتدقيق والاستماع إلى مختلف الآراء.


ولهذا فإن الحاجة اليوم أصبحت أكبر إلى الكلمة الحرة والمسؤولة، وإلى النقد البناء الذي يهدف إلى الإصلاح لا إلى الهدم، وإلى ثقافة تضع المصلحة العامة فوق المصالح الشخصية. فالأمم تتقدم بالحقائق والشفافية، لا بالمجاملات والتزييف.


وفي النهاية، يبقى الصدق قيمة لا يمكن استبدالها، وتبقى الكلمة الصادقة أكثر تأثيرًا وأبقى أثرًا من آلاف الكلمات التي تُقال بحثًا عن مصلحة أو منفعة عابرة.