كتبها / عبد الله الفائد
في إحدى القرى المعلقة على أكتاف جبل صبر الشامخ، بمدينة تعز ؛ حيث يعانق الضباب المدرجات الخضراء وتفوح رائحة المشاقر والريحان، بدأت حكاية لم تكن كغيرها من الحكايات. حكاية بطلها شاب تعزي، عُرف بين أهل قريته بالشهامة، وحسن الخلق، والرجولة التي تشهد لها المواقف.
لم يكن في حسبان هذا الشاب يوماً أن يلتفت إلى ابنة عمته؛ ليس لزهدٍ فيها، بل لأنها كانت تصغره بأعوام كثيرة، وخرجت من تجربة طلاق مريرة تركت في قلبها ندوباً غائرة. لكن الأقدار تبدأ دائماً من حيث لا نتوقع.
ذات ليلة، رأى الشاب في منامه رؤيا عجيبة: رأى عمته المتوفاة تقبل نحوه بوجه مستبشر، وتمد يدها لتُهديه "مشقراً تعزياً" فواحاً، من تلك المشاقر العطرية التي تُلبس في الأعراس وتُهدى في المواسم لتعبر عن الحب والوداد. استيقظ والمسك يملأ روحه قبل أنفه، وشعر في أعماقه أن هذه الرؤيا ليست مجرد أضغاث أحلام، بل هي إشارة سماوية من العمة الراحلة توصيه بابنتها المكسورة.
التفت الشاب إلى ابنة عمته بعينين جديدتين، عينين تملؤهما اللهفة والرغبة في احتضان تلك الزهرة التي أهدتها له والدتها في المنام. ولم يمضِ وقت طويل حتى تسلل هذا الحب إلى قلب الفتاة أيضاً. استمرت قصة الحب لأشهر معدودة، كانت بمثابة ربيع عابر في حياة الاثنين؛ توافقا، وتعارفا، ونبتت بينهما ألفة هزمت فارق السن وحطمت جدار الصمت. كان "المشقر" هو الرابط السحري الذي جمعهما في عالم من الأمل.
وعندما حان وقت الجد، لم يتردد ابن العم في سلك الطريق اليماني الأصيل. طرق الباب رسمياً، مقدماً نفسه لوالدها (زوج عمته). وافق الأب دون تردد، فهو يعلم علم اليقين من يكون هذا الشاب، ويعرف رجولته وأخلاقه، ولم يكن ليرفض رجلاً يشتري خاطر ابنته المطلقة ويعيد لها الحياة.
لكن، يبدو أن الفرح في قريتنا الجبلية أحياناً يولد مبتوراً. فبينما كانت الترتيبات تمضي بسلام، ظهر في الأفق خنجر مسموم غرس في خاصرة هذا الحب.
رفع أحد إخوة الفتاة عصا الطغيان والرفض. لم يكن لديه مبرر منطقي سوى حب السيطرة والتعنت. وقف في وجه أخته مهدداً إياها بلغة الدم والنار:
"إن تزوّجتِ به، فليس لكِ عندي إلا الضرب والقتل!".
أمام هذا التهديد الهمجي، وأمام عصا الأخ التي رُفعت لتكسر وداعة "المشقر"، تراجعت الفتاة خوفاً على حياتها وحياة من تحب. لم يكن الأب قادراً على كبح جماح ابنه الطائش الذي هدد بتمزيق شمل الأسرة.
خاب حلم ابن العم، وتبخرت تلك الرؤيا الوردية تحت وطأة الواقع المرير. غادر الشاب بيت عمه بقلب مكسور، تاركاً خلفه زهرة ذبلت قبل أن تُزف.
وهكذا، في تلك القرية الصبرية، بقيت الحكاية تُروى غصةً في الحناجر: حكاية حبيبين جمعهما "مشقر" في المنام، وفرقتهم "عصا" في الحقيقة.