آخر تحديث :الثلاثاء-04 أغسطس 2026-01:18ص

إعادة تسويق (الإنتقالي).. لمصلحة من؟!

الجمعة - 19 يونيو 2026 - الساعة 10:15 ص
صالح الجبواني


إذا كان المجلس الانتقالي قد انتهى عملياً، فلماذا يسعى البعض إلى بعثه من جديد تحت مسميات ومبادرات مختلفة مثل الحوار وغيره، ولماذا يراد تحميل المسؤولية لعيدروس الزبيدي وحده وكأنه كان يعمل في فراغ، أو كأنه نبتة مقطوعة الجذور لا علاقة لها بالبنية السياسية والعسكرية والإعلامية التي صنعت الانتقالي ودافعت عنه وروّجت له طوال السنوات الماضية، إن محاولة تقديم الزبيدي باعتباره المشكلة الوحيدة ليست سوى محاولة لإنقاذ المشروع نفسه وإعادة تسويقه بأسماء جديدة بعد أن سقطت الأسماء القديمة.


منذ سيطرة الانتقالي على عدن في أغسطس 2019 لم يكن يؤمن بالحوار أصلاً. لم يعترف بالأصوات الجنوبية الأخرى، ولم يتعامل معها كشركاء في القضية الجنوبية، بل وُصِف كثير من الجنوبيين الذين خالفوه بالرأي بالخونة والعملاء والمتآمرين. كان يرى نفسه الممثل الوحيد، ويرفض أي شراكة حقيقية مع الآخرين.


واليوم، وبعد كل ما جرى، يلفت الانتباه الإصرار على إبقاء المجلس الانتقالي حاضراً في المشهد السياسي بوصفه كتلة واحدة متماسكة، من خلال اللقاءات والحوارات والفعاليات السياسية المتكررة التي تظهر قيادته ككتلة واحدة في الرياض وكأن شيئاً لم يتغير. فبدلاً من التعامل مع ما حدث باعتباره نهاية تجربة سياسية وصلت إلى طريقها المسدود، يجري عملياً الحفاظ على صورتها الجماعية وإعادة إنتاجها في الفضاء السياسي. وما يُقدَّم تحت عناوين الحوار أو غيرها من المبادرات لا يبدو في جوهره سوى محاولة لإعادة تقديم الانتقالي بصيغة جديدة بعد أن استُنفدت الصيغة القديمة.

هذا خطاء سياسي كبير، فالمنطق يقول إن الانتقالي هُزم وحُل وانتهى أمره ككيان سياسي كان يُقدَّم باعتباره الممثل الحصري للجنوب. وأي محاولة لإعادة تجميعه أو إعادة منحه حياة سياسية جديدة تحت أي مسمى هي عودة مباشرة إلى المربع الذي أوصلنا إلى كل هذه الأزمات.


أما من لديه من قيادات الانتقالي مشكلة شخصية أو وضع سياسي أو قانوني أو إداري يحتاج إلى معالجة، فذلك شأن يمكن التعامل معه بصورة فردية وكريمة تحفظ حقوق الجميع. لكن ما لا ينبغي القبول به هو استمرار الظهور الجماعي لقيادة الانتقالي وكأن شيئاً لم يحدث، أو التعامل معه ككتلة سياسية قائمة بذاتها يجري استدعاؤها كل يوم في الرياض وكأننا أمام إعادة تكيف مع وجود هذه الكتلة لإعادة تسويقها وإعادة تدويرها.


لقد أُعطِي الانتقالي من الفرص ما لم يُعطَ لغيره. ودخل الحكومة، ودخل مجلس القيادة، وحصل على الدعم السياسي والإعلامي والعسكري، وكانت النتيجة ما رأيناه جميعاً.

لذلك فإن أي شخص يشارك اليوم، بقصد أو دون قصد، في إعادة تسويق الانتقالي عبر مبادرات جديدة أو حوارات جديدة أو مسميات جديدة، إنما يعيد البلد إلى نقطة الصفر، ويعيد إنتاج الأزمة نفسها التي دفع الجميع ثمنها خلال السنوات الماضية.


انتهى الانتقالي كحالة سياسية، ويجب أن ينتهي الحديث عن إعادة إحيائه. أما المستقبل فيجب أن يكون مفتوحاً لكل الجنوبيين، ولكل القوى السياسية الشرعية، على قاعدة التعددية والشراكة لا على قاعدة الاحتكار والإقصاء. فما ثبت عجزه عن تقديم نفسه ممثلاً وحيداً للجنوب لا ينبغي أن يُعاد تقديمه اليوم بالادعاء ذاته، ولا أن يُمنح فرصة جديدة تحت مسميات مختلفة بعد أن قالت التجربة كلمتها بوضوح.


ومن هذا المنطلق، ينبغي أن ندخل مرحلة الدولة الاتحادية اليمنية الجديدة في سلوكنا وخطابنا من هذه اللحظة، بعيداً عن مسارات التقسيم البغيضة، وبما يرسّخ منطق الدولة لا منطق الكيانات المتنازعة.