آخر تحديث :الأحد-28 يونيو 2026-10:57م

نشوة الانتصار.. ومتى ينتصر اليمن؟

الجمعة - 19 يونيو 2026 - الساعة 10:11 ص
اللواء الركن سعيد الحريري


في الحياة لحظات تمنح الإنسان شعورًا لا يوصف بالفخر والعزة والانتماء، ومن أجمل تلك اللحظات لحظة الانتصار. فالفوز ليس مجرد نتيجة في مباراة أو منافسة، بل هو شعور عميق يلامس الوجدان ويجعل الإنسان أكثر ارتباطًا بوطنه وأكثر اعتزازًا بهويته.


عشت هذا الشعور اليوم وأنا أتابع فوز بلدي الثاني كندا على قطر في كأس العالم، وشعرت بنشوة الانتصار التي لا يعرف قيمتها إلا من عاشها. رأيت فرحة الجماهير، واعتزاز اللاعبين بعلم بلادهم، وفخر شعب بأكمله بما حققه منتخب يمثل وطنًا آمن به الجميع، فكان النجاح ثمرة طبيعية لذلك الإيمان.


لكن وسط هذه الفرحة، تسلل إلى نفسي سؤال مؤلم:


متى سنفرح نحن اليمنيين بانتصار اليمن؟


متى سنرى منتخبًا يرفع اسم اليمن في المحافل الدولية فيلتف حوله الجميع دون استثناء؟ ومتى سنرى جيشًا وطنيًا موحدًا يحمي الدولة ومؤسساتها، لا جماعات متصارعة تتنازع السلطة والنفوذ؟ ومتى تصبح مؤسسات الدولة في خدمة الوطن والمواطن بدل أن تكون رهينة للمصالح الضيقة والانقسامات السياسية والمناطقية؟


لقد أثبتت تجارب الأمم أن الدول لا تنتصر لأنها تمتلك المال فقط، ولا لأنها تملك السلاح وحده، بل لأنها انتصرت أولًا لفكرة الوطن. انتصرت عندما جعلت مصلحة البلاد فوق مصالح الأحزاب والجماعات والأفراد، وعندما آمنت بأن الدولة هي المظلة التي تجمع الجميع وتحمي حقوق الجميع.


أما نحن، فما زلنا ندور في حلقة مفرغة من الصراعات والانقسامات والولاءات المتعددة. نختلف على كل شيء تقريبًا، ونتفق - من حيث لا نشعر - على إضاعة اليمن وإضعافه. نتعصب للأشخاص أكثر مما نتعصب للوطن، وننتصر للجماعات أكثر مما ننتصر للدولة، ونبحث عن مكاسب صغيرة بينما نخسر وطنًا بأكمله.


إن الانتصار الحقيقي الذي ينتظره اليمنيون ليس فوز فريق في مباراة، ولا انتصار طرف على آخر في معركة سياسية أو عسكرية، بل انتصار اليمن نفسه. انتصار الدولة على الفوضى، والقانون على السلاح، والمواطنة على العصبية، والمصلحة الوطنية على المصالح الضيقة.


وحين يدرك اليمنيون أن الوطن أكبر من الأحزاب، وأوسع من المناطق، وأغلى من كل الولاءات الخارجية، وحين يضعون اليمن فوق كل اعتبار، عندها فقط سيولد فجر جديد لهذا البلد العظيم، وسنعيش جميعًا نشوة نصر حقيقية لا تضاهيها أي فرحة أخرى.


فالوطن عندما ينتصر… ينتصر الجميع.