إن مراقبة الحراك السياسي الدائر اليوم في الرياض, عاصمة القرار العربي التي قررت على ما يبدو وضع حد لحفلة الجنون والتمزق التي رافقت الفترة الماضية
وما تواجد المهندس أحمد بن أحمد الميسري هناك, وتلك اللقاءات المكثفة التي يخوضها بعقل رجل الدولة منذ وصوله, وتلك اللقاءات الجميلة والثقيلة والحقيقية تأكيدا, بل هي دليل لا يقبل الشك على أن المملكة عازمة وجادة في هندسة وبناء 'خيمة جنوبية' واسعة يجلس تحتها كل الجنوبيين بلا استثناء ولا إقصاء
لقد دفع الشارع الجنوبي أثمانا فادحة خلال العشر السنوات الماضية كانت تجربة عنيفة ومليئة بالمرارة, تحولت فيها القضية الجنوبية العادلة إلى قميص عثمان يرتديه الانتهازيون والمتسلقون لابتزاز الداخل والخارج.... ولقد قدموا للأسف أسوأ نموذج لإدارة المرحلة, نموذج يعتمد على تخوين الرفاق وإلغاء الآخر وملشنة الشوارع وتقزيم أحلام الناس لذلك, يأتي الحوار الجنوبي-الجنوبي الذي ترعاه الرياض اليوم قد يكون طوق النجاة الوحيد والفرصة الأخيرة, والسور العالي الذي يحمي هذه القضية من لصوص الشعارات, ويعيد وضعها في مربعها الصحيح بعيدا عن المراهقات السياسية والنزق المليشياوي
كنا نتساءل كيف سيبنون وطنا بخطاب يعادي الآخر في المحافظة المجاورة؟ تحدثنا بأنه لا يمكن اختزال الجنوب في محافظة واحدة أو بضع مديريات, ولا يمكن تفصيل المناصب وصناعة القرار على مقاس 'لكنة' محددة أو قرية بعينها ولكن لا حياة لمن تنادي
لقد حان الوقت فعليا لإغلاق ملف 'الدكاكين السياسية' العنصرية والمناطقية وتشميعها بالشمع الأحمر....
إن توحيد الرؤى والأفكار يجب أن يشمل كل الطيف الجنوبي من المهرة إلى باب المندب, والرياض بدعوتها للميسري ووضعه في قلب هذه اللقاءات المكثفة, تتحرك من دراية تامة وقراءة دقيقة لواقع الأرض, فهي تدرك أن الرجل مؤثر ويمتلك شعبية جارفة وتوافقا واسعا يمتد في كافة المحافظات الجنوبية, وأنه الأجدر والأقدر على تصدر المشهد ووضع بصمة توازن حقيقية تعيد الأمور إلى نصابها.
لم يكن الارتياح العارم الذي ضجت به مواقع التواصل الاجتماعي إثر رؤية صور المهندس تجمعه مع شخصيات سياسية جنوبية سوى استفتاء شعبي صامت. لقد حرك ظهور الميسري آمال وتطلعات الشعب الذي سئم من الوجوه الكالحة ومن مقاولي الحروب....الناس تبحث عن علامات الدولة وعن مسؤولين حقيقيين, لا عن أمراء حرب وميليشيات يوزعون صكوك الوطنية متى شاؤوا ويسحبونها متى شاؤوا
لكن, لماذا الميسري من بين الجميع؟ لأنه ببساطة الرجل الوطني الكبير والسامي الذي يمتلك شجاعة التسامح...الميسري لا يحقد, ولا يربي الغل في صدره تخيلوا معي وقاحة المشهد السابق, قادة المجلس الانتقالي حرضوا ضده, وأعلنوا النفير العام لاقتلاعه في عدن, وداهمت قواتهم منزله, وتلذذوا بمحاولة تحييده وإخراجه من المشهد بقوة السلاح... ومع كل هذا الركام من الجراح والمظالم, نراه اليوم يلتقي بهم في الرياض, يبتسم بقلب أبيض وعقلية رجل دولة حقيقي, بل وشاهدناه جميعا كيف وضع يده بحميمية أخوية صادقة على كتف اللواء أحمد سعيد بن بريك في صورة عفوية أسقطت كل مشاريع الضغينة والثأر
هذا هو الفرق المرعب بين رجل الدولة الذي يبتلع أوجاعه الشخصية لإنقاذ وطنه, وبين المليشياوي الذي يحرق وطنه انتصارا لثأره الشخصي وأحقاده
هذه التحركات والخطوات الجريئة تعتبر من أهم المسارات التي تدعمها القيادة السعودية لترميم البيت الجنوبي المصدع, وإنهاء عملية اختطاف القرار والقضية من أيادي المبتزين وتجار الأزمات....الرياض تعيد برمجة الساحة الجنوبية تحت عنوان عريض 'الجنوب لكل الجنوبيين' وهي سياسة حكيمة ومجربة صاغتها المملكة في ملفات عربية سابقة ومعقدة, كما فعلت حين جمعت الفرقاء اللبنانيين في اتفاق الطائف لإنهاء سنوات الدم والعبث وإغلاق كانتونات أمراء الحرب..... إضافة إلى كثير من التجارب الأخرى الناجحة التي قادتها الرياض
واليوم تفعلها في جنوب اليمن, تجمع الأضداد, تفرض لغة العقل, وتغلق مسالخ التخوين
الخلاصة يا سادة, قطار التسوية الجنوبية انطلق من الرياض, والميسري يقف في قلب المشهد يوزع ابتسامات التسامح ويرتب المقاعد للجميع بقلب متخفف من الأحقاد....من أراد أن يصعد لبناء خيمة تحترم آدمية الإنسان وشراكته فمرحبا به, ومن أراد البقاء حبيس دكانه المناطقي ومحاصصة قريته الضيقة ومشاريع الدم, فسيجد نفسه يقف وحيدا يتفرج على التاريخ وهو يتجاوزه ويرميه بعيدا عن يابسة الوطن الجنوبي