في السياسة، لا تسقط المشاريع الكبرى عادة بسبب ضربة واحدة، ولا تنهار التنظيمات المؤثرة نتيجة خطأ منفرد أو قرار مفاجئ. فالانهيارات السياسية غالباً ما تكون نهاية مسار طويل من التراكمات غير المرئية التي تبدأ صغيرة ثم تتضخم مع الوقت حتى تصبح أكبر من قدرة أي قيادة على احتوائها. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة المجلس الانتقالي الجنوبي بين عامي 2017 و2026 باعتبارها واحدة من أهم التجارب السياسية التي شهدها الجنوب خلال العقود الأخيرة، ليس فقط بسبب حجم حضورها وتأثيرها، بل أيضاً بسبب الدروس العميقة التي تقدمها حول العلاقة الشائكة بين الرصيد الشعبي ومقتضيات السلطة، وبين الحشد الجماهيري وبناء المؤسسات، وبين الدعم الخارجي والاستقلال السياسي.
عندما ظهر المجلس الانتقالي الجنوبي في عام 2017 كان يعبر عن لحظة سياسية استثنائية. فقد جاء في سياق فراغ سياسي واسع، وتراجع القوى التقليدية، وتصاعد الشعور الجنوبي بضرورة وجود إطار سياسي قادر على تمثيل القضية الجنوبية وإعادة تنظيم مطالبها في مرحلة شديدة التعقيد. واستطاع خلال سنوات قليلة أن يتحول من مجرد كيان سياسي ناشئ إلى أحد أهم الفاعلين في المشهد اليمني والإقليمي، مستفيداً من قاعدة جماهيرية واسعة وقدرة عالية على التعبئة والحشد، إضافة إلى شبكة علاقات إقليمية وفرت له مساحة مهمة للتحرك والتأثير.
غير أن النجاح السريع يحمل في كثير من الأحيان بذور أزماته المستقبلية. فالمشاريع التي تتوسع بسرعة أكبر من قدرتها على بناء مؤسسات مستقرة تصبح أكثر عرضة للاهتزاز عند أول تحول كبير في البيئة السياسية المحيطة بها. وهذا ما حدث بدرجات متفاوتة خلال مسار المجلس الانتقالي.
القضية المركزية التي تكشفها التجربة تتمثل في أن المجلس نجح في بناء حالة سياسية وشعبية واسعة، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في تحويل هذه الحالة إلى مؤسسات مستقلة وقادرة على الاستمرار. لقد بدا أحياناً أن المشروع يتقدم سياسياً أسرع مما تتقدم أدواته التنظيمية، وأن الحضور الجماهيري يتوسع بوتيرة أكبر من تطور البنية المؤسسية التي يفترض أن تحميه من تقلبات السياسة وتغير موازين القوى.
وهنا تظهر أولى الإشكاليات الاستراتيجية الكبرى: الاعتماد المفرط على الرعاية والدعم الخارجي. فالدعم الخارجي قد يكون عاملاً مساعداً في صعود أي حركة سياسية، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلاً عن الشرعية الذاتية أو عن بناء المؤسسات القادرة على الاستمرار. والتاريخ السياسي مليء بالحركات التي ازدهرت تحت مظلات إقليمية أو دولية ثم دخلت في أزمات حادة عندما تغيرت أولويات تلك القوى أو أعادت ترتيب حساباتها.
المشكلة لا تكمن في وجود علاقات إقليمية، فذلك أمر طبيعي في بيئة مضطربة مثل اليمن، وإنما في تحول هذه العلاقات تدريجياً إلى عنصر مؤثر في صياغة الخيارات الأساسية للمشروع السياسي نفسه. فعندما تصبح قدرة الفاعل السياسي على الحركة مرتبطة إلى حد كبير بتوازنات خارجية، فإنه يفقد تدريجياً جزءاً من هامش استقلاليته، ويصبح أكثر عرضة للتأثر بالمتغيرات التي لا يملك السيطرة عليها.
لكن العامل الخارجي وحده لا يفسر ما حدث. فالاختلالات الداخلية كانت حاضرة بوضوح أيضاً. إذ إن واحدة من أبرز نقاط الضعف تمثلت في محدودية بناء المؤسسات المستقلة عن الأشخاص. وقد أثبتت تجارب كثيرة حول العالم أن قوة المؤسسات تكمن تحديداً في قدرتها على الاستمرار بغض النظر عن الأفراد الذين يديرونها. أما عندما يرتبط المشروع السياسي بشخصيات محددة أكثر من ارتباطه بقواعد مؤسسية راسخة، فإن أي أزمة تصيب القيادة تتحول تلقائياً إلى أزمة تصيب المشروع بأكمله.
ولعل من أبرز مظاهر هذه الإشكالية أيضاً المركزية المفرطة في اتخاذ القرار. ففي المراحل الأولى من عمر الحركات السياسية قد تبدو المركزية أداة فعالة للحفاظ على التماسك وسرعة الحركة، لكنها تتحول مع مرور الوقت إلى عبء ثقيل يمنع التجديد ويحد من مشاركة الكفاءات ويبطئ عملية الاستجابة للتحديات المتغيرة. وعندما تغيب آليات التقييم والمراجعة الدورية، تصبح الأخطاء أكثر قابلية للتكرار، وتفقد المؤسسة قدرتها على التعلم من تجاربها السابقة.
إلى جانب ذلك، واجه المجلس تحدياً آخر لا يقل أهمية يتمثل في إدارة التعدد السياسي الجنوبي. فالقضية الجنوبية بطبيعتها ليست قضية تيار واحد أو تنظيم واحد، بل قضية تتداخل فيها تيارات سياسية واجتماعية ومناطقية متعددة. وكان النجاح الحقيقي لأي مشروع سياسي جنوبي مرهوناً بقدرته على بناء مظلة وطنية واسعة تستوعب هذا التنوع وتحوله إلى مصدر قوة بدلاً من أن يتحول إلى مصدر تنافس وصراع.
غير أن مسار العلاقة مع عدد من القوى الجنوبية الأخرى شهد في بعض المراحل غلبة منطق المنافسة أو الاحتواء على منطق الشراكة. ومع مرور الوقت أدى ذلك إلى بقاء أجزاء من النخب والقوى الجنوبية خارج الإطار السياسي الجامع، وهو ما حدّ من فرص بناء إجماع جنوبي واسع وقادر على مواجهة الضغوط والتحديات المتزايدة.
وإذا كانت السياسة تقاس بقدرتها على إدارة التوازنات، فإن الشرعية الشعبية تقاس بقدرتها على تحسين حياة الناس. وهنا برزت واحدة من أكثر القضايا حساسية وتأثيراً في مسار التجربة، وهي اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع المعيشي. فقد كانت الجماهير مستعدة لتحمل الكثير من الصعوبات في المراحل الأولى، لكنها مع مرور الوقت بدأت تقارن بين الوعود والنتائج، وبين حجم الحضور السياسي وحجم التحسن الملموس في حياتها اليومية.
ومع تفاقم الأزمات الاقتصادية والخدمية وتراجع مستويات المعيشة، بدأت قطاعات من الرأي العام تنظر إلى المشاركة في السلطة باعتبارها مسؤولية مباشرة عن جزء من الإخفاقات القائمة. وهنا ظهرت معضلة كلاسيكية تواجه معظم الحركات التي تنتقل من المعارضة إلى الشراكة في الحكم: فالشعارات التي كانت تمنحها الزخم الشعبي لم تعد كافية وحدها للحفاظ على ذلك الزخم ما لم تترافق مع نتائج ملموسة على الأرض.
أما إعلامياً، فقد أظهرت التجربة أن الخطاب التعبوي الذي يحقق نجاحاً في لحظات الصراع لا يحقق بالضرورة النجاح نفسه في مراحل البناء والإدارة. فالجمهور يحتاج أثناء الأزمات إلى معلومات وتفسيرات وشفافية أكثر من حاجته إلى التعبئة المستمرة. وعندما تتراجع قدرة المؤسسة على التواصل الفعال مع جمهورها، تبدأ الفجوة في الاتساع وتزداد قدرة الخصوم على التأثير في السردية العامة.
ومن منظور استراتيجي أوسع، فإن ما حدث لا يختلف كثيراً عن تجارب عديدة شهدها العالم. فالكثير من حركات التحرر والتنظيمات السياسية استطاعت تحقيق نجاحات كبيرة في الحشد والتعبئة، لكنها واجهت صعوبات حقيقية عندما انتقلت إلى مرحلة بناء المؤسسات وإدارة السلطة. الفارق بين النجاح المؤقت والنجاح المستدام لا يصنعه حجم الجماهير فقط، بل تصنعه أيضاً جودة المؤسسات، ومرونة القيادة، وقدرة المشروع على إنتاج نخب جديدة، ومراجعة أخطائه باستمرار.
لهذا فإن قراءة تجربة المجلس الانتقالي باعتبارها مجرد نتيجة لمؤامرات خارجية ستكون قراءة ناقصة، تماماً كما أن اختزالها في أخطاء داخلية فقط سيكون تبسيطاً مخلّاً بالواقع. الحقيقة أن الأزمة جاءت نتيجة تفاعل معقد بين متغيرات داخلية وخارجية تراكمت عبر سنوات. فقد تزامنت التحولات الإقليمية مع ضعف البنية المؤسسية، وترافقت الأزمات الاقتصادية مع تراجع القدرة على الاحتواء السياسي، واجتمعت تحديات الإدارة مع محدودية المراجعة الذاتية، فكانت النتيجة تآكلاً تدريجياً في عناصر القوة التي صنعت النجاح الأول.
المهم في هذه التجربة ليس نهايتها بقدر ما هو الدرس الذي تقدمه للمستقبل. فالقضايا الوطنية لا تنتهي بسقوط تنظيم أو صعود آخر، لكنها تتأثر بقدرة الفاعلين السياسيين على التعلم من التجارب السابقة. وإذا كان ثمة استنتاج يستحق التوقف عنده فهو أن الشرعية الشعبية، مهما كانت واسعة، لا تستطيع وحدها ضمان الاستمرار. كما أن الدعم الخارجي، مهما كان قوياً، لا يمكن أن يعوض غياب المؤسسات. وأن الحضور الإعلامي، مهما كان مؤثراً، لا يغني عن الإنجاز الملموس في حياة الناس.
سواء تعلق الأمر بمستقبل المجلس الانتقالي الجنوبي إذا ما أعاد تشكيل وهيكلة نفسه في إطار سياسي جديد، أو بأي مشروع جنوبي قد يتصدر المشهد مستقبلاً، فإن الدرس الحاسم يبقى واحداً: لا يمكن بناء مشروع سياسي مستدام على الشعبية وحدها أو على التحالفات الظرفية فقط.
وحدها المؤسسات القوية، والشراكات الوطنية الواسعة، والقدرة على المراجعة والتكيف، هي ما يمنح أي مشروع فرصة حقيقية للبقاء والتأثير في بيئة سياسية شديدة التقلب.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن المشاريع السياسية لا تسقط عندما تخسر معركة واحدة، وإنما عندما تتوقف عن مراجعة نفسها. ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لأي تجربة سياسية لا تكمن فقط في إنجازاتها أو إخفاقاتها، بل في قدرتها على إنتاج معرفة سياسية تساعد الأجيال اللاحقة على تجنب الأخطاء نفسها. وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي تتركه تجربة المجلس الانتقالي الجنوبي: أن الطريق إلى الاستمرار لا يمر عبر التعبئة الشعبية وحدها، ولا عبر التحالفات وحدها، بل عبر بناء مؤسسات قادرة على الصمود والتكيف والتجدد مهما تغيرت الظروف.
بقلم / محمد علي رشيد النعماني