تمر اليوم الذكرى الثامنة والأربعون لمقتل الرئيس سالم ربيع علي “سالمين”، أحد أبرز القادة الذين تركوا بصمة واضحة في تاريخ الجنوب. وبرغم مرور ما يقارب نصف قرن على رحيله، لا يزال اسمه حاضرًا بقوة في وجدان الكثير من أبناء الجنوب الذين يتذكرونه كقائد امتلك كاريزما استثنائية، وتميز بالبساطة والقرب من عامة الناس، وعُرف بنظافة اليد والنزاهة المالية، إلى جانب ما تحقق في عهده من منجزات تنموية واجتماعية ما زالت حاضرة في ذاكرة جيله والأجيال التي تلته.
في الثامن والعشرين من يونيو 1978 انتهت حياة سالمين، لكن الجدل حول حقيقة ما جرى لم ينتهِ. فما زالت هناك شهادات وروايات يرويها أشخاص كانوا قريبين من دوائر القرار آنذاك، تقدم صورة مختلفة عن الرواية الرسمية التي سادت بعد تلك الأحداث.
ووفقًا لهذه الشهادات، فإن العلاقة بين الرئيس سالمين والرئيس أحمد حسين الغشمي لم تكن علاقة عداء أو خصومة سياسية كما حاول البعض تصويرها لاحقًا، بل كانت هناك قنوات تواصل مستمرة بين الرجلين بعد اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي وشقيقه. فقد جرت اتصالات هاتفية متكررة بينهما، كما تم تبادل الرسائل والآراء عبر مندوبين، وكان الهدف المعلن الحفاظ على العلاقات بين شطري اليمن والعمل على تطويرها بما يخدم مصالح البلدين والشعبين.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن أجهزة الأمن كانت تتابع تلك الاتصالات وتقوم بتسجيلها، وأن محتواها كان يتناول ملفات تتعلق بتطبيع العلاقات بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية، إضافة إلى مناقشة آفاق الانفتاح على المملكة العربية السعودية ودول الخليج، بما يحقق مصالح مشتركة للطرفين.
ومن الشهادات اللافتة في هذا السياق ما نُقل عن الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، الذي قال إن الرئيس الغشمي، وهو في لحظاته الأخيرة بعد إصابته، استبعد أن يكون سالمين وراء عملية اغتياله، مستندًا إلى وجود تفاهمات كبيرة ومهمة بينهما، وإلى طبيعة العلاقة السياسية التي كانت تتطور في تلك الفترة.
وتضيف هذه الروايات أن الرئيس سالمين كلف مبعوثه الشخصي الوزير علي سالم الأعور بنقل تقارير ورسائل خاصة إلى الرئيس الغشمي تتعلق بالتفاهمات القائمة بينهما. غير أن ما حدث بعد ذلك، بحسب هذه الشهادات، كان نقطة التحول الأخطر في مسار الأحداث. إذ يُقال إن علي سالم الأعور تعرض للاعتراض في مطار عدن، وتم الاطلاع على محتويات الحقيبة الدبلوماسية التي كان يحملها، قبل استبدالها بحقيبة أخرى مفخخة تحمل المواصفات نفسها.
وبحسب الرواية ذاتها، فقد تم تكليف الحاج تفاريش بحمل الحقيبة إلى صنعاء، حيث انفجرت لاحقًا وأدت إلى مقتل الرئيس الغشمي، في حادثة ما زالت حتى اليوم محل جدل واسع بين الباحثين والمهتمين بتاريخ تلك المرحلة.
ويرى أصحاب هذه الرواية أن اغتيال الغشمي استُخدم بعد ذلك ذريعة لتوجيه الاتهام إلى سالمين، وأن حملة سياسية وإعلامية واسعة جرى إعدادها لإقناع أعضاء المكتب السياسي للحزب الاشتراكي بأن الرئيس الجنوبي متورط في العملية. ووفقًا لهذا التصور، فإن الهدف لم يكن فقط إقصاء سالمين من السلطة، بل أيضًا دفن أسرار مرحلة كاملة وإنهاء أي مسار سياسي كان يمكن أن يفضي إلى تفاهمات مختلفة بين قيادتي الشطرين.
ومع تصاعد الأزمة، تعرض مقر رئاسة الجمهورية للهجوم. وتشير الشهادات إلى أن سالمين رفض الاستسلام في البداية ودافع عن نفسه مع أفراد حراسته المحدودين العدد حتى نفدت ذخيرتهم بالكامل. كما تذكر بعض المصادر أن رفيقه علي أحمد ناصر عنتر وعددًا من الشخصيات السياسية نصحوه بمغادرة البلاد والتوجه إلى إثيوبيا تفاديًا للمواجهة، لكنه لم يتمكن من تنفيذ ذلك بسبب تسارع الأحداث وبدء الهجوم على مقر الرئاسة.
وفي المشهد الأخير من حياته، تروي الشهادات أن سالمين كان إلى جانب رفيقيه علي سالم الأعور وجاعم صالح عندما تم تقييدهم. وتضيف أن منفذي العملية أطلقوا النار أولًا على جاعم صالح، ثم على علي سالم الأعور، معتقدين أن ذلك سيؤدي إلى انهيار سالمين نفسيًا. إلا أنه ظل ثابتًا ومرفوع الرأس حتى اللحظة الأخيرة.
وفي تلك اللحظات التاريخية، نُسبت إليه عبارته الشهيرة التي ما زالت تتردد حتى اليوم:
“فتحتم لأنفسكم جبهة… اليوم وجهتم البنادق إلى صدورنا وغدًا ستتوجه إلى صدوركم.”
ويرى كثير من أنصاره ومؤيديه أن هذه الكلمات لم تكن مجرد عبارة وداع، بل كانت قراءة سياسية مبكرة لما ستشهده الساحة الجنوبية لاحقًا من صراعات وانقسامات ومواجهات داخلية امتدت آثارها لعقود طويلة.
وبعد ثمانية وأربعين عامًا على رحيل سالمين، ما زالت سيرته تثير الاهتمام والجدل، وما زالت الأسئلة المتعلقة بملابسات مقتله مطروحة بقوة في الذاكرة الوطنية الجنوبية. وبين الروايات الرسمية والشهادات التي ظهرت لاحقًا، يبقى التاريخ بحاجة إلى المزيد من البحث والتوثيق، حتى تتضح الصورة الكاملة لأحد أكثر الأحداث تأثيرًا في تاريخ الجنوب المعاصر.
رحل سالمين جسدًا، لكن حضوره السياسي والإنساني ما زال قائمًا في ذاكرة كثير من أبناء الجنوب، الذين يرون فيه قائدًا استثنائيًا انتهت حياته في ظروف مأساوية، بينما بقيت الأسئلة التي أحاطت بهم مفتوحة حتى يومنا هذا.