في زمنٍ تختلط فيه الأولويات، وتُقلب فيه الموازين، لم تعد المشكلة أن يعشق الناس كرة القدم، فذلك حقٌ طبيعي وشغفٌ مشروع، وإنما تكمن المشكلة حين تتحول الكرة إلى القضية الكبرى، بينما تُركَن قضايا الإنسان وحقوقه ومعيشته في مقاعد الاحتياط.
لسنا ضد الرياضة، ولم نكن يوماً أعداءً للفرح أو المنافسة أو الترفيه، فالرياضة مدرسة للأخلاق والانضباط والتعاون. لكن ما يدعو للسخرية حقاً أن بعض المجتمعات أصبحت تعرف عدد أهداف لاعبٍ في موسم واحد، بينما تجهل عدد ساعات انقطاع الكهرباء في مدنها، وتحفظ أسماء المدربين الأجانب أكثر مما تعرف أسماء العلماء والمفكرين والمناضلين الذين صنعوا تاريخها.
صرنا نرى الملايين يتابعون مباراةً تمتد تسعين دقيقة بكل شغفٍ وحماس، بينما تمر سنوات طويلة من تدهور الخدمات وضياع الحقوق وكأن الأمر لا يعنيهم. فإذا فاز فريقهم خرجوا إلى الشوارع يهتفون ويحتفلون حتى الفجر، أما إذا انقطعت الكهرباء أو تأخرت الرواتب أو انهارت الخدمات، اكتفوا بالصمت وكأن المأساة قدرٌ لا يُناقش.
يا للمفارقة!
أمةٌ تستطيع أن تحفظ تشكيلات المنتخبات العالمية عن ظهر قلب، لكنها تعجز عن تشكيل موقفٍ شعبي موحد للدفاع عن حقوقها المشروعة. وأناسٌ يختلفون لساعات حول ضربة جزاء، لكنهم لا يجدون دقيقة واحدة للحديث عن التعليم والصحة والتنمية ومستقبل الأجيال.
إن أخطر أنواع الهزائم ليست تلك التي تقع في الملاعب، بل تلك التي تقع في العقول. فالفريق الذي يخسر مباراة يمكنه التعويض في الجولة القادمة، أما الشعب الذي يخسر وعيه وأولوياته فقد يخسر مستقبله كله.
لقد نجح كثيرون في تحويل الجماهير من مواطنين يفكرون في واقعهم إلى مشجعين منشغلين بنتائج الآخرين. فكلما ارتفعت أصوات المطالبة بالحقوق، جاءت مباراةٌ كبيرة لتخطف الأنظار. وكلما اشتدت معاناة الناس، انشغل البعض بإحصاء الأهداف والبطولات وكأنها ستعيد الكهرباء أو توفر الماء أو تصرف الرواتب.
ولعل أكثر ما يثير السخرية أن بعض الناس يعيشون انتصارات الفرق وكأنها انتصاراتهم الشخصية، بينما يتعاملون مع قضايا أوطانهم وكأنها شأنٌ يخص غيرهم. فإذا انتصر فريقهم قالوا: "لقد انتصرنا"، وإذا سُئلوا عن أوضاع بلادهم قالوا: "ما باليد حيلة".
الحقيقة التي لا بد أن تُقال هي أن الأوطان لا تُبنى بالأهداف التي تُسجل في الشباك، بل بالأهداف التي تتحقق في ميادين العلم والعمل والإنتاج والعدالة والتنمية. والنهضة لا يصنعها مهاجمٌ بارع، بل يصنعها شعبٌ واعٍ يعرف حقوقه وواجباته ويحسن ترتيب أولوياته.
استمتعوا بالرياضة كما تشاؤون، وشجعوا فرقكم كما تحبون، وافرحوا بالانتصارات كما تريدون، لكن لا تجعلوا من الترفيه بديلاً عن الوعي، ولا من المباريات ستاراً يُحجب خلفه الواقع.
فالكرة، مهما عظمت، تبقى مباراةً تنتهي بصافرة حكم.
أما معركة الوعي والحقوق والكرامة، فهي المباراة الحقيقية التي لا يجوز أن نغادر مدرجاتها، ولا أن نسمح لأحدٍ بإلهائنا عنها.
فالكرة تسعون دقيقة...
أما بناء الأوطان فمسؤولية أجيال.