آخر تحديث :الخميس-18 يونيو 2026-12:15م

من وحي الهجرة ،،،

الخميس - 18 يونيو 2026 - الساعة 09:32 ص
د. سعيد سالم الحرباجي


﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.

ما أضيق تدبير البشر حين يصطدم بتدبير السماء!

اجتمع أهل الأرض في دار الندوة يرسمون خيوط المؤامرة، بينما كان الله سبحانه يرسم فجر الهجرة، ويهيئ لميلاد أمة ستملأ الدنيا نورًا وعدلاً.

أرادوا أن يطفئوا السراج، فإذا بالريح التي نفخوا بها تزيده اشتعالًا، وصدق الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.

إنها رسالة لكل قلب أثقلته المكائد، وأحاطت به الخطوب.....

أن وراء كل تدبير بشري تدبيرًا إلهيًا لا يغلب، وأن اليد التي تحفظ الحق لا تنام.

ولذلك قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقال: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.


وفي الغار.....

وقد أحاط الخطر من كل جانب، لم يكن مع النبي ﷺ جيش ولا عدة، وإنما كان معه يقين يملأ الآفاق، فقال لصاحبه: «لا تَحْزَنْ، إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا».

فما أروعها من كلمة!!!!

بها تهدأ القلوب، وتسكن الأرواح، ويذوب الخوف في بحر الثقة بالله.

وقد قال الحكماء: إذا أغلق الناس في وجهك الأبواب، فاعلم أن باب السماء لا يُغلق.

وقال بعض السلف: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن توكل على الله كفاه.

وقال الشاعر:

إذا ضاقت بك الدنيا فثق بالله مبتسمًا

فإن العسر يعقبه من الرحمن تيسيرُ

وما خاب الذي طرق الإله بقلب مفتقرٍ

فباب الله مفتوحٌ، به الإحسان والخيرُ

إن المكر إذا واجه التقوى انقلب على صاحبه، والسهم إذا خرج ليصيب أولياء الله عاد إلى صدر راميه، لأن الله وعد فقال: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.

فإذا تكاثرت عليك المؤامرات، فلا تنشغل بعدّ خصومك، ولكن انشغل بتقوية صلتك بربك، فإن من كان الله معه فمن عليه؟ ومن كان الله حافظه فلن تضره كيد الكائدين إلا بما كتب الله له.

ولعل أجمل ما يُختتم به هذا المعنى قول الإمام الشافعي رحمه الله:

ولربَّ نازلةٍ يضيق بها الفتى

ذرعًا وعند الله منها المخرجُ

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها

فُرجت، وكنت أظنها لا تُفرجُ.

وهكذا يعلمنا القرآن أن الليل الذي تكتنفه المؤامرات، قد يكون هو نفسه الليل الذي يولد منه فجر النصر، وأن وراء كل مكرٍ بشري حكمةً ربانية، وأن الله إذا تولّى عبده، جعل من كيد أعدائه سُلَّمًا يرتقي به إلى أعلى مراتب التمكين.