اليمن.... أولاً
أثار الخطاب الأخير لمندوب اليمن في الأمم المتحدة، وما تضمنه من اتهامات حادة ضد عيدروس الزبيدي والمجلس الانتقالي الجنوبي، نقاشاً واسعاً حول طبيعة الأولويات التي ينبغي أن تنشغل بها الحكومة اليمنية في هذه المرحلة الحساسة.
ومن حق أي دولة أن تدافع عن رؤيتها السياسية والقانونية أمام المجتمع الدولي، لكن السؤال الأهم يبقى: هل تكفي الخطابات والاتهامات لتغيير الوقائع على الأرض؟
تجربة اليمن خلال السنوات الماضية تقدم درساً مهماً في هذا السياق. فقد وقعت الشرعية سابقاً في خطأ تقدير حجم وتأثير جماعة الحوثي عندما جرى التعامل معها باعتبارها ظاهرة محدودة التأثير أو حالة عابرة يمكن تجاوزها بسهولة. لكن التطورات اللاحقة أثبتت أن قراءة الواقع تختلف كثيراً عن الرغبات السياسية، وأن تجاهل الحقائق الاجتماعية والشعبية لا يؤدي إلى اختفائها.
واليوم يبدو أن هناك من يكرر الخطأ ذاته مع المجلس الانتقالي الجنوبي. فبغض النظر عن الموقف منه أو من مشروعه السياسي، فإن المجلس يمتلك حضوراً سياسياً وشعبياً لا يمكن إنكاره في أجزاء واسعة من جنوب اليمن، وأصبح رقماً فاعلاً في المعادلة اليمنية والإقليمية. ولذلك فإن اختزال القضية في مجرد بيانات إدانة أو مطالبات بعقوبات دولية قد لا يكون كافياً لفهم طبيعة المشهد أو التعامل معه بواقعية.
إن النفوذ السياسي لا يُقاس بما يقال في المنابر الدولية فقط، وإنما بما يملكه كل طرف من قدرة على التأثير في المجتمع وكسب تأييد الناس. وهنا تبرز القضية الجوهرية التي تشغل المواطن أكثر من أي سجال سياسي: الخدمات.
فالمواطن في عدن وأبين ولحج والضالع لا يستيقظ كل صباح وهو يفكر فيما قيل في مجلس الأمن، بقدر ما يفكر في ساعات تشغيل الكهرباء، وتوفر المياه، واستقرار العملة، وقدرته على توفير متطلبات أسرته.
ومع دخول فصل الصيف وعودة أزمة الكهرباء إلى الواجهة بصورة أكثر قسوة، أصبحت معاناة الناس هي العنوان الأبرز للمشهد. فالمواطن الذي يقضي ساعات طويلة في الحر الخانق لا تعنيه كثيراً المعارك الإعلامية بقدر ما تعنيه الحلول العملية التي تنعكس على حياته اليومية.
لهذا فإن أي حكومة تسعى إلى تعزيز حضورها الشعبي واستعادة ثقة الشارع لا تحتاج إلى التركيز على خصومها بقدر حاجتها إلى التركيز على أدائها. فالنجاح في إدارة الخدمات وتحسين الظروف المعيشية يمثل أقوى خطاب سياسي يمكن تقديمه للناس.
أما استمرار الأزمات دون حلول حقيقية، فإنه يمنح مختلف القوى السياسية فرصاً إضافية للحفاظ على نفوذها أو توسيعه، لأن الفراغ الخدمي والسياسي غالباً ما يخلق بدائل يبحث الناس من خلالها عن أي أمل في التغيير.
إن المعركة الأكثر أهمية اليوم ليست معركة التصنيفات السياسية ولا معركة الاتهامات المتبادلة، بل هي معركة الكهرباء والخدمات والاقتصاد. ومن ينجح في هذه المعركة سيكسب ثقة المواطن، أما من يفشل فيها فلن تنقذه كثرة الخطابات ولا ضجيج المنابر الدولية.
فأصلحوا الكهرباء أولاً... وبعد ذلك سيحكم الناس بأنفسهم على الجميع.