آخر تحديث :الخميس-25 يونيو 2026-10:34م

تغيير الدكتور جمال محمد سرور.. أسئلة مشروعة حول مسار الإصلاح الضريبي

الأربعاء - 17 يونيو 2026 - الساعة 09:18 م
نجيب الكمالي


في الدول التي تسعى إلى بناء مؤسسات حديثة وفعالة، لا تُقاس القرارات الإدارية بعدد المسؤولين الذين يتم تغييرهم، بل بمدى قدرتها على تعزيز مسار الإصلاح وضمان استمرارية المشاريع الناجحة. ومن هذا المنطلق، فإن قرار تغيير الدكتور جمال محمد سرور من رئاسة مصلحة الضرائب يفتح الباب أمام جملة من التساؤلات المشروعة حول مستقبل الإصلاح الضريبي ومسار التحديث المؤسسي الذي شهدته المصلحة خلال السنوات الأخيرة.

فالقضية هنا لا تتعلق بشخص بعينه بقدر ما ترتبط بمشروع إصلاحي متكامل بدأ يخطو خطوات مهمة نحو تحديث الإدارة الضريبية، ونقلها من الأساليب التقليدية إلى منظومة أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا والحوكمة الرقمية. وقد ارتبط اسم جمال محمد سرور بجهود تطوير العمل المؤسسي، والسعي إلى بناء قاعدة بيانات أكثر دقة، وتبسيط الإجراءات، وتحسين كفاءة التحصيل الضريبي بما يخدم المصلحة العامة ويعزز موارد الدولة.

ومن أبرز الإنجازات التي شهدتها هذه المرحلة التوجه نحو التحول الرقمي والربط الشبكي مع الجمارك، وهي خطوة استراتيجية كان من شأنها تعزيز التكامل بين المؤسسات الإيرادية، وتحسين تبادل المعلومات، والحد من حالات التهرب الضريبي، وإرساء قواعد أكثر شفافية وعدالة في إدارة الموارد العامة. فمثل هذه المشاريع لا تمثل مجرد تحديث تقني، بل تعكس رؤية إصلاحية تسعى إلى بناء مؤسسات قادرة على مواكبة متطلبات العصر.

ولهذا فإن أي تغيير في قيادة مؤسسة تشهد عملية إصلاح وتحديث يفرض بطبيعته تساؤلات حول كيفية الحفاظ على استمرارية هذه المشاريع وضمان عدم تعثرها أو توقفها. فالإصلاح المؤسسي ليس مرتبطًا بالأفراد وحدهم، لكنه يحتاج إلى بيئة داعمة تحافظ على ما تحقق وتبني عليه، بعيدًا عن الحسابات الضيقة أو القرارات التي قد تؤدي إلى إرباك مسار التطوير.

كما أن الرأي العام من حقه أن يتساءل عن المعايير التي تحكم مثل هذه القرارات، خاصة عندما يتعلق الأمر بقيادات ارتبطت بمشاريع إصلاحية واضحة. فالمطلوب ليس بقاء الأشخاص في مواقعهم إلى الأبد، وإنما ترسيخ مبدأ أن يكون التقييم قائمًا على الأداء والنتائج والقدرة على الإنجاز، وأن يكون أي تغيير جزءًا من رؤية تطويرية أشمل، لا مجرد إجراء إداري منفصل عن سياقه المؤسسي.

إن التحديات الاقتصادية الراهنة تفرض على الجميع التفكير في كيفية تعزيز كفاءة المؤسسات الإيرادية وتطوير أدائها، لا سيما في ظل الحاجة المتزايدة إلى تنمية الموارد وتحسين الخدمات العامة. ولذلك فإن الحفاظ على مسار الإصلاح الضريبي واستكمال مشاريع التحول الرقمي والربط الشبكي يجب أن يظل أولوية وطنية، بصرف النظر عن الأشخاص الذين يتولون مواقع المسؤولية.

وفي النهاية، تبقى القضية الأهم هي ضمان استمرار مشروع الإصلاح ذاته. فالمؤسسات الناجحة لا تُبنى بالأشخاص فقط، بل بالسياسات والرؤى والبرامج القادرة على الاستمرار والتطور. ومن هنا تبرز أهمية الإجابة على السؤال الجوهري: هل سيواصل التغيير الإداري مسار الإصلاح الضريبي الذي بدأ، أم أنه سيفتح الباب أمام مرحلة جديدة تحتاج إلى إثبات قدرتها على البناء على ما تحقق؟ ذلك هو السؤال الذي ينتظر كثيرون معرفة إجابته في المرحلة المقبلة.