بقلم: بدر الكثيري
أصدرت الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد في عدن تعميمًا دعت فيه شركات الطيران العربية والإقليمية والدولية إلى استئناف أو تدشين رحلاتها إلى مطار عدن الدولي، مؤكدة جاهزية المطار لاستقبال الرحلات الجوية وتقديم الخدمات التشغيلية والفنية والملاحية وفق المعايير المعتمدة.
ورغم أهمية هذه الخطوة ورسائلها السياسية والاقتصادية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يكفي توجيه الدعوات لشركات الطيران العالمية حتى تتجه إلى عدن؟ وهل أصبح مطار عدن مؤهلًا بالفعل ليكون بوابة اليمن الجوية الرئيسية؟
الحقيقة أن شركات الطيران العالمية لا تتخذ قراراتها بناءً على البيانات الرسمية وحدها، بل تبني استثماراتها على حسابات دقيقة تتعلق بالأمن والاستقرار والربحية وحجم الطلب ومستوى الخدمات والبنية التحتية.
ومن هنا فإن نجاح مطار عدن في استقطاب شركات الطيران لا يرتبط فقط بمدرجاته وصالاته، بل يرتبط بصورة اليمن ككل أمام العالم.
الأمن أولًا
الواقع أن العامل الأكثر تأثيرًا في قرار أي شركة طيران هو مستوى الأمان والاستقرار.
فكل شركة تدرس المخاطر الأمنية قبل تشغيل أي خط جوي جديد، كما أن شركات التأمين الدولية تراقب الأوضاع الميدانية والسياسية بصورة مستمرة. وكلما ارتفع مستوى الاستقرار انخفضت تكاليف التشغيل والتأمين وازدادت فرص جذب شركات الطيران.
ولهذا فإن الحكومة اليمنية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتحويل الاستقرار الأمني إلى حالة دائمة ومستدامة، وليس مجرد فترات هدوء مؤقتة.
السياحة.. الثروة المعطلة
يمتلك اليمن كنوزًا سياحية نادرة قد لا تتوفر في كثير من دول المنطقة.
فمن جزيرة سقطرى المصنفة ضمن أهم الجزر الطبيعية في العالم، إلى مدن حضرموت التاريخية، ووادي دوعن، وصنعاء القديمة، وشبام، وسواحل عدن الممتدة على خليج عدن والبحر العربي، كلها مقومات قادرة على صناعة قطاع سياحي مزدهر.
لكن المشكلة ليست في ندرة المقومات، بل في غياب البيئة التي تسمح بتحويلها إلى صناعة اقتصادية حقيقية.
فالسائح الأجنبي لا يبحث فقط عن الجمال الطبيعي، بل يبحث أيضًا عن الأمن وسهولة الوصول والفنادق والخدمات والبنية التحتية والتنقل.
ومن دون توفير هذه العناصر ستظل المواقع السياحية اليمنية ثروة كامنة أكثر منها مصدرًا فعليًا للدخل والتنمية.
ماذا عن الجواز اليمني والسفارات؟
يرى البعض أن ضعف الجواز اليمني يشكل عائقًا أمام تطور قطاع الطيران، إلا أن الحقيقة أن شركات الطيران لا تقيم الأسواق بناءً على قوة الجوازات، بل على حجم الحركة الجوية والعائد الاقتصادي المتوقع.
غير أن وجود السفارات والقنصليات الأجنبية في عدن يمثل عنصرًا مهمًا في تعزيز الثقة الدولية بالمدينة، كما يساهم في تسهيل إجراءات التأشيرات وتشجيع الحركة التجارية والاستثمارية.
فكل سفارة تفتح أبوابها في عدن تمثل رسالة ثقة إضافية للعالم بأن المدينة تتجه نحو الاستقرار.
ما الذي تحتاجه عدن؟
إذا كانت الحكومة اليمنية تريد فعلًا تحويل مطار عدن إلى مركز إقليمي مؤثر، فإن الأمر يتطلب خطة شاملة تتجاوز حدود المطار نفسه.
هذه الخطة يجب أن تشمل:
تعزيز الأمن والاستقرار بشكل دائم.
تطوير البنية التحتية للمطار وصالاته وخدماته.
توسيع شبكة الفنادق والخدمات السياحية.
تسهيل منح التأشيرات للمستثمرين والسياح.
استقطاب السفارات والمنظمات الدولية.
دعم قطاع النقل والخدمات اللوجستية.
تسويق اليمن سياحيًا واقتصاديًا في الخارج.
تشجيع شركات الطيران الإقليمية على فتح خطوط مباشرة إلى عدن.
رسالة إلى الحكومة ووزارة النقل
إن مستقبل مطار عدن لا يُبنى بالتعاميم وحدها، بل ببناء بيئة متكاملة تجعل شركات الطيران تأتي طواعية لأنها ترى فرصة حقيقية للنمو والاستثمار.
فالطائرات تتبع الاقتصاد، والسياحة، والاستقرار، وحركة الناس ورؤوس الأموال.
أما المواطن اليمني، فعليه أن يدرك أن نجاح مطار عدن ليس مجرد نجاح لقطاع النقل، بل خطوة مهمة نحو إعادة ربط اليمن بالعالم واستعادة دوره الاقتصادي والسياحي في المنطقة.
إن عدن تمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وتاريخًا عريقًا، وإمكانات كبيرة، لكن تحويل هذه المقومات إلى واقع يحتاج إلى رؤية وطنية طويلة المدى، وإرادة سياسية جادة، وعمل مؤسسي مستمر.
وعندما يتحقق ذلك، لن تحتاج اليمن إلى دعوة شركات الطيران العالمية، بل ستكون تلك الشركات هي من تتنافس للوصول إليها.