آخر تحديث :الأربعاء-17 يونيو 2026-09:03م

جرس الإنذار الإسرائيلي .. خوف من مصر أم من تغيُّر قواعد اللعبة الإقليمية؟

الأربعاء - 17 يونيو 2026 - الساعة 06:19 م
محمد خالد الحسيني



من سيناء إلى شرق المتوسط .. لماذا تتسع دائرة القلق الإسرائيلي؟ لماذا ترتبك إسرائيل أمام صعود القوة المصرية؟ هل بدأ عصر ما بعد الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة؟ ما الذي يجري بالظبط بين مصر وإسرائيل؟ وهل تدق تل أبيب جرس الإنذار فعلاً، أم تعيد خلط الأوراق؟


في الأشهر الأخيرة تصاعدت في الإعلام الإسرائيلي والتقارير الصادرة عن بعض المراكز والمنصات العبرية نبرة التحذير من تنامي القدرات العسكرية المصرية، سواء عبر تطوير أسطول دبابات «أبرامز» الأميركية، أو من خلال تعزيز البنية التحتية العسكرية في سيناء، أو نتيجة التقارب العسكري المتسارع بين مصر وتركيا.

فهل نحن أمام توتر حقيقي بين مصر وإسرائيل؟ أم أن إسرائيل توظف هذه الملفات ضمن حسابات إقليمية أوسع تتجاوز العلاقة الثنائية بين البلدين؟

توتر حقيقي ولكن ضمن حدود محسوبة

لا يمكن إنكار أن العلاقات المصرية الإسرائيلية تمر بمرحلة من التوتر السياسي والأمني منذ اندلاع الحرب في غزة.

فقد برزت خلافات واضحة حول إدارة معبر رفح، والوجود العسكري الإسرائيلي في محور فيلادلفيا، ورفض مصر القاطع لأي مخططات تهدف إلى تهجير الفلسطينيين نحو سيناء.

كما زادت الشكوك المتبادلة نتيجة الاتهامات الإسرائيلية المتكررة بشأن تعزيز الوجود العسكري المصري في سيناء، بينما تؤكد القاهرة أن جميع الإجراءات المتخذة تأتي في إطار حماية الأمن القومي المصري وتأمين الحدود ومكافحة الإرهاب، ولا تستهدف أي طرف إقليمي.

ورغم هذا التوتر، لا توجد مؤشرات جدية على أن الطرفين يتجهان نحو مواجهة عسكرية مباشرة.

فمعاهدة السلام الموقعة عام 1979 أثبتت قدرتها على الصمود أمام أزمات أكبر وأكثر خطورة، كما أن المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية لكلا البلدين تجعل خيار الحرب بالغ الكلفة وغير مرغوب فيه.

لماذا تقلق إسرائيل من تطوير الجيش المصري؟

من منظور المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، لا يتعلق الأمر فقط بتطوير مئات دبابات «أبرامز» أو تحديث أنظمة التسليح والرؤية والاستهداف، بل يرتبط بصورة أشمل لمعادلة القوة في المنطقة.

فالجيش المصري يمثل أكبر قوة عسكرية عربية من حيث الحجم، وأي عملية تحديث واسعة لقدراته البرية أو الجوية أو البحرية تحظى بمتابعة دقيقة داخل إسرائيل.

كما أن مشاريع البنية التحتية الكبرى، مثل الأنفاق أسفل قناة السويس وشبكات الطرق الحديثة في سيناء، تُفسَّر في بعض الأوساط الإسرائيلية باعتبارها تمنح الجيش المصري قدرة أكبر على التحرك السريع وحشد القوات عند الحاجة.

في المقابل، ترى القاهرة أن تحديث قواتها المسلحة حق سيادي طبيعي، وأنه يأتي في إطار مواكبة التطور التكنولوجي العالمي وحماية المصالح الوطنية المصرية، لا في إطار الاستعداد لمواجهة عسكرية مع إسرائيل.

التقارب المصري التركي ومخاوف إعادة تشكيل التوازنات

يزداد القلق الإسرائيلي مع عودة العلاقات المصرية التركية إلى مسار التعاون العسكري بعد سنوات طويلة من التوتر السياسي، فقد شهدت الفترة الأخيرة تدريبات جوية وبحرية مشتركة وتنسيقاً متنامياً بين البلدين، الأمر الذي تنظر إليه تل أبيب باعتباره تطوراً استراتيجياً قد يؤثر في موازين القوى بشرق البحر المتوسط.

وتكمن حساسية هذا الملف في أن مصر وتركيا تمتلكان معاً ثقلاً عسكرياً وجغرافياً كبيراً، كما تتحكمان في مواقع استراتيجية تطل على أهم الممرات البحرية وخطوط الطاقة في المنطقة. لذلك تخشى بعض الدوائر الإسرائيلية من أن يتطور هذا التعاون مستقبلاً ليشمل التصنيع العسكري المشترك وتبادل الخبرات والتنسيق البحري الواسع.

ومع ذلك، لا توجد مؤشرات معلنة على أن هذا التعاون يستهدف إسرائيل بشكل مباشر، بل تؤكد القاهرة وأنقرة أن هدفه تعزيز القدرات الدفاعية وتحقيق المصالح المشتركة.

هل تسعى إسرائيل إلى خلط الأوراق إقليمياً؟

إسرائيل تنظر بقلق إلى أي مشروع إقليمي يمكن أن يؤدي إلى تخفيض مستويات التوتر والصراع في المنطقة، سواء تعلق الأمر بتسوية للحرب في غزة ولبنان، أو بتقارب بين الولايات المتحدة وإيران أو بإعادة ترتيب العلاقات بين القوى الإقليمية الكبرى.

قناعة إسرائيل تنطلق من أن أي اتفاق أمريكي إيراني شامل قد يؤدي إلى تقليص احتمالات المواجهة العسكرية، وإعطاء الأولوية للدبلوماسية والتفاهمات السياسية، وإعادة صياغة أولويات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.

كما قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة تشارك فيها أطراف إقليمية متعددة.

في هذا السياق، إسرائيل قد تسعى إلى إبراز المخاطر الأمنية المحيطة بها، وإلى تضخيم بعض التهديدات المحتملة، بهدف الحفاظ على موقعها المركزي في الحسابات الاستراتيجية الغربية ومنع تشكل بيئة إقليمية جديدة لا تكون فيها وحدها اللاعب الأكثر تأثيراً.

لكن في المقابل، لا توجد أدلة معلنة أو موثقة تثبت أن التحذيرات الإسرائيلية بشأن مصر أو غيرها تُستخدم بشكل مباشر لإفشال أي اتفاق أمريكي إيراني محتمل.

ولذلك تبقى هذه الفرضية جزءاً من النقاش السياسي والتحليل الاستراتيجي أكثر من كونها حقيقة مثبتة.

هل يمكن لاتفاق إقليمي شامل أن يغير وجه المنطقة؟

إذا نجحت مستقبلاً مسارات التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، وترافقت مع تسوية للحرب في غزة، وتحسين العلاقات بين القوى الإقليمية الكبرى، فمن الطبيعي أن يشهد الشرق الأوسط تحولات عميقة في موازين النفوذ والتحالفات.

مثل هذا السيناريو قد يحد من منطق الصراع الدائم، ويمنح الأولوية للتنمية والتكامل الاقتصادي والتفاهمات الأمنية المشتركة.

كما أنه قد يفرض على جميع الأطراف، بما فيها إسرائيل، إعادة تعريف أدوارها وأدوات نفوذها داخل النظام الإقليمي الجديد.

غير أن الحديث عن إلغاء دور إسرائيل يبقى مبالغة سياسية؛ فإسرائيل ما تزال تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية كبيرة.

ما يمكن أن يتغير هو حجم النفوذ وطبيعة الدور الذي تمارسه، وليس وجودها كفاعل رئيسي في المعادلات الإقليمية.

الخلاصة

التوتر بين مصر وإسرائيل حقيقي، لكنه ما زال محكوماً بضوابط سياسية وأمنية تمنع انزلاقه إلى مواجهة مباشرة.

كما أن المخاوف الإسرائيلية من تحديث الجيش المصري والتقارب العسكري المصري التركي تعكس هواجس استراتيجية تتعلق بتوازن القوى أكثر مما تعكس وجود تهديد عسكري وشيك.

أما الربط بين هذه المخاوف وبين مساعي عرقلة أي تقارب أمريكي إيراني أو إفشال مشاريع التسوية الإقليمية، فيبقى في إطار التحليل السياسي والقراءة الاستراتيجية، لا في إطار الحقائق المؤكدة.

غير أن المؤكد هو أن المنطقة تقف أمام تحولات كبرى محتملة، وأن أي تسوية شاملة قد تعيد رسم خريطة النفوذ الإقليمي وتفرض على جميع الأطراف التكيف مع واقع سياسي جديد يختلف عن معادلات العقود الماضية.

محمد خالد الحسيني