ما إن انطلقت الرصاصة الأولى من فوهة بندقية "عمر"، حتى انخلع قلب السكينة في القرية؛ فارتدّ الجميع خلف الجدران ، واتخذوا من زوايا البيوت متاريس لوجع قديم استيقظ بغتة. تحولت الأزقة الضيقة إلى ساحة حرب صامتة، لا يقطع صمتها إلا شهيق الأطفال وعويل النساء اللواتي بتنَ يرقبنَ الموت في كل زاوية.
لم يهدأ أزيز النفوس إلا حين تدخل "عابرون" من رعاة الإبل، رجال لوحتهم الشمس وخبروا دروب البيداء، فاستطاعوا بوقارهم أن يضعوا لجاماً مؤقتاً لخيول الفتنة. كان المخرج الذي ارتضاه الجميع هو الاحتكام إلى "السلطنة"، حيث ميزان الدولة وعين القانون.
بين ميزان العدل وغطرسة القوة
في مجلس "العاقل" (شيخ المنطقة)، وقف عمر وقفة شامخ لا تنال منه الريح، بانتظار خصمه الذي استباح أرضه. لكن الغاصب، في كبرياء ممزوج بالخسة، لم يحضر، بل أرسل "مندوباً" عنه، فما كان من الشيخ إلا أن زجره بوقار حازم:
أنت خصم وداعم، ولست وسيطاً.. فليحضر أخوك غداً، وإلا كان للقانون قول مرّ في عقر داره.
جاء الرد في اليوم التالي، ليس عبر رسالة رسمية، بل محمولاً على لسان راعي غنم بسيط "لا نعترف بشيخ ولا قانون، ولا أرض لعمر عندنا لنفاوض عليها!"
هنا، انتفض عمر كالأسد الجريح، واحتقن وجهه بدم الكرامة الصارخة:
إذن هو حقي، وسأنتزعه من بين أنيابهم ولو كان الثمن روحي!
في طريق العودة، حاول ابن عمه الكبير -ذلك الشيخ الذي عركته الفجائع- أن يمتص غضبه بكلمات تقطر أسى وحكمة. وضع يده على كتف عمر المرتجفة وقال:
يا بني، إنهم يدفعونك إلى الهاوية بدم بارد. هم يعلمون أن لا حجة لهم أمام شرع أو عرف، فيلجأون لبطش القوة. يا عمر، أنت غرسُنا الوحيد الباقي، وهم يريدون اجتثاث نسلك ليخلو لهم وجه الأرض.
صمت قليلاً ثم تابع بمرارة، مستعرضاً سجل المظالم:
أتذكر زوجة (حسن)؟ تلك المرأة الكريمة التي استولوا على إرثها بعد موت زوجها حتى تركت بلادنا هائمة على وجهها؟ لقد غدروا بها وبكرامتها وهي ابنة عمومتهم، فكيف سيرأفون بنا؟ انظر إلى أرامل (عبدربه) و(سعيد) و(أبو بكر).. حتى الحمير التي تحمل الماء منعوها عن أيتامهم! هل تدرك يا أخاه أن بناتهم يعملن يوماً كاملاً في الهجير من أجل ثلاث سنبلاتٍ لا تسمن ولا تغني من جوع؟
سقطت دمعة حارة من عين عمر، دمعة لم تكن ضعفاً، بل كانت احتراقاً لروح ترى الظلم يطبق على أنفاس قومه كالقبر.
ما إن وطئت أقدامهم مشارف القرية، حتى وجدوا "زعيم القوم" ويطلق عليه "ثابت" واقفاً كالشيطان المريد في طريقهم، يصبّ عليهم وابلاً من السباب والشتائم، مستهزءاً بوجعهم.
لم يستطع عمر صبراً؛ فاستلّ بندقيته ووجهها نحو صدر الظلم مباشرة. وفي لحظة فارقة بين الحياة والردى، انقضّ ابن عمه على البندقية ورفع فوهتها نحو السماء، فانطلقت الرصاصة في الفضاء لتعلن صرخة يائسة وسط ضجيج الأطفال وصيحات النساء.
كان يوماً عصيباً، تلاطمت فيه أمواج الغضب بدموع الضعف، وبقي عمر واجماً، يدرك أن "بحور المآسي" التي تحدث عنها ابن عمه، قد بدأت تفيض لتغرق الجميع في دوامة لا يعلم منتهاها إلا الله.
................•................