آخر تحديث :السبت-22 أغسطس 2026-02:34ص

حين يلوذ المجرم بعباءة القاضي

الأربعاء - 17 يونيو 2026 - الساعة 11:59 ص
غادة الحسيني


في بلدٍ يتدثر بالأوجاع كاليمن ويقتات شعبه الصبر في زمن النكبات، كان القضاء هو الحصن الأخير الذي يأوي إليه المظلوم مستجيراً من رمضاء الظلم والبطش، كان الناس يظنون أن عتبات المحاكم والنيابات أرض مقدسة، لا يدخلها الباطل ولا يجرؤ فيها ظالم على رفع عينه، لكن واأسفاه حين تلتفت لتنظر إلى واقع بعض منصاتنا اليوم يصيبك الذهول، إذ تحول الميزان في أيدي البعض من أداة لإحقاق الحق إلى حبل مشنقة يُلف حول عنق المظلوم وطوق نجاة يُلقى للمجرم، إنها صرخة تنبعث من قلوب اعتصرها القهر، وأسر تجرعت مرارة الفقد والظلم، نقولها اليوم لا لمجرد النقد، بل لنهز بها ضمائر نامت في دعة المكاتب المكيفة متناسية أن فوقها رقيباً لا ينام وأن خلفها شعباً لا ينسى.

لو عاش القاضي وجع الضحايا لما خان الميزان، إن العلة الأساسية في موت ضمائر بعض هؤلاء القضاة المتخاذلين الذين اصابهم العمى العاطفي تجاه آلام البشر ، لو أن هذا القاضي الفاسد مر ولو لليلة واحدة بما تمر به أسر الضحايا لتغيرت أحكامه، لو أنه عاش حرقة أم وقهر أب ولو أنه ذاق طعم المرارة التي عاشتها أسر المظلومين، ولو أنه بات ليلة واحدة ودموع القهر تحرق جفنيه وعجز قلة الحيلة يكسر ظهره، لو عاش هذا الوجع لما كان رأيه متخاذلاً بهذا الشكل المخزي، ولكانت أحكامه تنزل كالصواعق فوق رؤوس المجرمين بأقسى العقوبات التي نص عليها الشرع والقانون، لكن بعضهم آثر مصالحه الضيقة أو خضع لضغوط النفوذ والعصبية والمال متناسياً أن أنين المظلومين في جوف الليل لا يحجبه عن الله حجاب وأن دعوة المقهور قد تسبق في لحظة كل الحصون والمناصب والألقاب.

أيها القضاة .. ماذا فعلتم بالقسم؟ يا من تجلسون على منصات الحكم، تذكروا ذلك اليوم الذي وقفتم فيه ترفعون أيديكم لتؤدوا القسم القانوني والقضائي، لقد أقسمتم بالله العظيم أن تحكموا بالعدل وأن تلتزموا بالدستور والقانون، وأن تكون ضمائركم الحية هي الرقيب عليكم، فكيف تحول ذلك القسم العظيم إلى حبر على ورق؟ وكيف استبدل بعضكم بضمير العدالة ضميراً مستتراً لا يصحو إلا عند لمعان المال أو رنين النفوذ؟

إنكم يومياً تقفون في محاكمكم ويصلي بعضكم في الصفوف الأولى للمساجد، فكيف تستقيم صلاة من يظلم الناس في وضح النهار؟ وكيف يرفع يده بالدعاء من كان سبباً في بكاء أرملة أو ضياع حق يتيم؟

لقد كلفكم الله بأثقل أمانة في الأرض أمانة العدل والمساواة وهي الأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال وأبين أن يحملنها، فما بال بعضكم يستهين بها ويبيعها بثمن بخس، أو منصب زائل أو رضا نافذ أو مجاملة قريب؟


تتصاغر الكلمات وتتوارى الحجج أمام الحديث النبوي الشريف الذي اختصر واقع القضاء في جملة بليغة تقشعر منها الأبدان: "القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار"، إن تصرفات بعض القضاة في المحاكم اليمنية اليوم تجعلنا نرى هذا الحديث متجسداً أمام أعيننا كواقع مرئي، قاضٍ عرف الحق فقضى به وهو ذلك القاضي الشريف النزيه الذي يرفض الإغراءات ليبيت مرتاح الضمير، وهذا هو الذي في الجنة، وقاضٍ عرف الحق فجار في الحكم وهو الفاسد المتعمد الذي يبيع حكمه لمن يدفع أكثر أو لمن يملك نفوذاً أقوى، وقاضٍ قضى للناس على جهل، وهو الذي يستهتر بالقضايا ولا يقرأ الملفات ويترك مصائر الناس في أيدي معاونيه أو أهوائه الشخصية.

أفلا يخاف هؤلاء من ثلثي النار؟ ألا يرعبهم أن يكون كرسي القضاء الذي يتفاخرون به اليوم هو ذاته المقعد الذي يقودهم إلى الخسران غداً؟

ليس كل الفساد رشوة علنية تُدفع في الممرات، بل إن أخطر أنواع الفساد في النيابات والمحاكم هو ذلك الفساد المبطن الذي يتلفع بعباءة القانون ويدخل من ثغرات النصوص ليقوض روح العدالة، فتبقى ملفات المظلومين في الأدراج شهوراً وسنوات حتى ييأس صاحب الحق أو يموت قهراً.

وتُكيف الجرائم الجسيمة على أنها مخالفات ليصبح القاتل أو المعتدي أو الناهب مستحقاً لعقوبات مخففة أو كفالات مالية هزيلة، وتستمر المماطلة في حجز القضايا للحكم وتُفتح أبواب المرافعات مرة بعد أخرى دون مبرر قانوني، فقط لإرهاق الطرف الضعيف مادياً ونفسياً حتى يقبل بالتنازل مكرها، وقد لا تكون الرشوة دائماً ظرفاً من المال يُدفع في الخفاء، بل قد تأتي في صورة مجاملة لمتنفذ أو محاباة لقريب أو انحياز لابن منطقة أو قبيلة أو خوف من صاحب نفوذ، وكل ذلك فساد لا يقل خطراً عن الرشوة المباشرة، لأن نتيجته واحدة: ضياع الحق وتمكين الباطل.

حين تتغلب العصبية على العدالة هذه أخطر الآفات التي تنخر جسد العدالة، تلك العصبية الضيقة التي تتسلل إلى بعض النفوس فتجعل ميزان الحق يميل حيث لا ينبغي له أن يميل، فالقاضي حين ينظر إلى المتقاضين بعين المنطقة أو القبيلة أو القرابة أو الانتماء الاجتماعي، يكون قد خلع عن نفسه رداء العدالة قبل أن ينطق بالحكم، إن العدالة لا تعرف شمالاً ولا جنوباً ولا قبيلة ولا أسرة ولا غنياً ولا فقيراً فالناس أمام القضاء سواء، لكن المأساة حين يجد الضحية نفسه في مواجهة خصم يحظى بحماية غير مستحقة لمجرد أنه ينتمي إلى المنطقة ذاتها أو تربطه بالقاضي أو ببعض النافذين روابط اجتماعية أو مصالح خاصة.

ما الفرق بين الرشوة المالية الصريحة وبين الانحياز المجاني بدافع العصبية أو القرابة؟ فكلاهما يقتل العدالة وكلاهما يسلب المظلوم حقه، وكلاهما يغرس في نفوس الناس شعوراً مريراً بأن القانون لا يطبق على الجميع بالميزان نفسه.

إن القاضي الحقيقي هو الذي يخلع كل انتماءاته الشخصية عند جلوسه على منصة الحكم، فلا يرى أمامه إلا حقاً يجب أن يُنصف وباطلاً يجب أن يُردع أما من يجعل المنطقة أو القبيلة أو المصلحة الخاصة حاكمة فوق القانون، فإنه يهدم بيده هيبة القضاء ويزرع في المجتمع بذور الأحقاد والانقسامات التي لا تنتهي.

إن الكارثة الكبرى والوجع الذي لا تطيقه الجبال هو أن ترى بعض القضاة وأعضاء النيابة يبذلون قصارى جهدهم، ليس لإثبات الجرم وتطبيق القانون، بل للبحث عن مخارج قانونية تهب المجرمين الحرية وتفتح لهم أبواب السجون، كيف يستوعب العقل البشري أن قاضياً اؤتمن على دماء الناس وأعراضهم يجلس ليخط بقلمه قراراً يفرج فيه عن مجرم عاث في الأرض فساداً؟ كيف يطاوعه قلبه وهو يعلم أن هذا المجرم سيعود إلى المجتمع ليمارس طغيانه من جديد، مستقوياً بحصانة الفساد التي منحها له من يفترض أنه حارس العدالة؟

إن مساعدة المجرمين على الإفلات من العقاب ليست خطأ إجرائياً عابراً، بل هي خيانة للأمانة ومشاركة غير مباشرة في الجريمة، فالقاضي الذي يطلق سراح مجرم مستحق للعقوبة، يضع يده بيده في كل ضرر جديد قد يلحق بالأبرياء.

يا مسؤولي القضاء في اليمن ويا كل قاضٍ ومستشار ووكيل نيابة .. إن قهر الضحايا ودموع الأمهات وحسرات الآباء ليست مجرد أوراق في ملفاتكم المغبرة، إنها آهات تصعد إلى السماء وشهادات ستبقى حية في ذاكرة المجتمع مهما حاول البعض دفنها.

إن دائرة الفساد في القضاء اليمني يجب أن تُكبح، وبات بتر الفاسد من جسد السلك القضائي ضرورة لإنقاذ ما تبقى من هيبة الدولة وكرامة الوطن، فالأمم لا تسقط بالجوع وحده وإنما تسقط حين يموت العدل وحين يصبح الظلم قانوناً متبعاً ويصبح المجرم مطمئناً إلى أن هناك من سيبحث له عن منفذ للهرب من العقاب.

استفيقوا من غفلتكم وأحيوا ضمائركم قبل أن تُقبروا، واعلموا أنكم مهما تهربتم من العدالة الأرضية وتلاعبتم بالدفوع والقوانين، فإنكم قادمون لا محالة إلى محكمة السماء، محكمة قاضيها الله والشهود فيها الخصوم والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، هناك لن ينفعكم مجرم ساعدتموه ولا مال جمعتموه ولا نفوذ احتميتم به، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.