آخر تحديث :الثلاثاء-23 يونيو 2026-10:53م

ناكر الجميل... صراع مع النقص الداخلي

الأربعاء - 17 يونيو 2026 - الساعة 11:59 ص
خالد مبروك غالب


تختزل العبارة الشعبية الدارجة: "ناكر الجميل لو أعطيته عسل بيقول لك كثر الله خير النحل" صورة بليغة من صور الجحود الإنساني. ففيها يقر الجاحد بجودة العطاء، لكنه يلتف بخبث حول اليد التي قدمته، باحثاً عن طرف ثالث ينسب إليه الفضل؛ تخلصاً من عقدة النقص، وتهرباً من تقديم كلمة شكر صادقة لمن أحسن إليه.يفسر علم النفس هذا السلوك بأنه ناتج عن عقدة دونية وتضخم في الأنا؛ إذ يرى الشخص الجاحد أن اعترافه بفضل الآخرين هو إقرار ضمني بضعفه، فيلجأ لحيلة نفسية تشتت الامتنان وتنسبه للظروف أو الطبيعة، حمايةً لكبريائه الهش.يتجلى هذا السلوك المعقد في تفاصيل حياتنا المعاصرة كظاهرة اجتماعية تصدم القلوب في ميادين مختلفة؛ فنراها في الأبناء الذين ينسبون نجاحهم كاملاً لذكائهم الشخصي متناسين عقوداً من تضحيات الوالدين،


وفي الموظف المتسلق الذي يتلقى الدعم والتدريب من مسؤوله، ثم يهمشه عند أول فرصة ترقٍ ليظهر بمظهر العبقري المنفرد.لمواجهة هذه الفئة في واقعنا اليومي، يصبح فصل العاطفة عن العقل ضرورة حتمية لحماية استقرارنا النفسي؛ إذ تختلف آليات التعامل باختلاف طبيعة العلاقة. فمع الأبناء يتطلب الأمر احتساب النية بأن تكون الرعاية لله أولاً مع تربيتهم بالقدوة، بينما يتطلب الأمر في بيئة العمل وضع حدود رسمية وتوثيق الجهود لحفظ الحقوق.في نهاية المطاف، تُعلمنا هذه العبارة الوجدانية أن جحود ناكر الجميل لا ينقص أبداً من قيمة العطاء، بل ينقص من قدر صاحبه فقط؛ فالعسل يظل حُلواً وشفاءً، واليد التي امتدت بالخير تظل هي اليد العليا والأجمل، مهما حاولت النفوس الصغيرة طمس فضلها.


إن الحماية الحقيقية لأنفسنا من مرارة الخذلان لا تكمن في التوقف عن صناعة المعروف، بل في الترفع عن انتظار الثناء؛ فعندما تدرك أن مشكلة الجاحد هي صراع داخلي يعيشه مع نقصه، ستتعلم كيف تقدم عسلك وتمضي، تاركاً النحل لخالقه، وموقناً بأن المعروف لا يضيع عند الله أبداً.